الطيب الصديقي: استلهام التراث ولمسات مرجعية لمسرح القسوة

– سعيد كريمي*

1 – تمهيد

تدخل تجربة المبدع الكبير الطيب الصديقي في إطار المحاولات التأصيلية للمسرح المغربي والعربي، حيث ساهم بشكل وافر في استنبات بنية مسرحية تقوم بالأساس على مسرحة التراث، في قالب احتفالي مسربل بنكهة مغربية متأصلة. كما يعد أيضا من المؤسسين الفعليين للمسرح المغربي، ومن المسرحيين العرب القلائل الذين اقتحموا حقل التجريب من بابه الواسع انطلاقا من تشبعه بكبرى النظريات المسرحية الغربية التي تشربها من احتكاكه المباشر بكبار المسرحيين الفرنسيين وعلى رأسهم جون فيلار Jean Vilar الذي عاصر واشتغل مع أرطو وجل أقطاب المسرح الطليعي. ويعود الفضل كذلك للصديقي في تطويع بعض الأجناس الأدبية- المقامات والسير- وقصائد شعر الملحون، لتصير مسرحيات تلعب فوق الركح.

ولعل الذي ساعد الصديقي على البروز والتفرد في الساحة المسرحية المغربية والعربية، هو تبنيه لنهج أستاذة جون فيلار الذي أرشده إلى ضرورة الاهتمام بالفرجات الشعبية. كما أن اهتمامه بالمسرح الغربي انصب بالأساس على الإخراج المسرحي، وطرائق نقل النصوص المسرحية من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وهو ما مكنه بعد عودته إلى المغرب من امتلاك رؤية “شاملة” ومتكاملة حول مختلف عناصر صناعة الفرجة.

وقد بدأ تجربته المسرحية بالاقتباس والترجمة لكبار المسرحيين الطليعيين من أمثال صامويل بيكيت “في انتظار غودو”، ويونسكو، “أمدية أو كيف نتخلص منه، “وماريفو “لعبة الحب والمصادفة”… واستطاع إضفاء نكهة مغربية وعربية على هذه المسرحيات، كما أنه أيضا قرب المتلقي المغربي من الحداثة المسرحية، وفتح أعينه على مسارح تجريبية حديثة. وبذلك غير أفق انتظار هذا المتلقي الذي صار مهيأ لتقبل فرجات مسرحية مركبة، ومبنية على أنساق علامية متباينة وغير منسجمة.

ورغم اختلاف آراء النقاد وتضاربها حول تقييم تجربة الصديقي، فإنه يبقى على حد قول الدكتور حسن المنيعي” … أول من فتح أعيننا على فرجات متنوعة ودفعنا إلى مسايرة تجاربه التي تستفيد من تقنيات الغرب وأشكاله الدرامية، وتوظف عناصر التراث في نفس الوقت كالحلقة والبساط وغيرها”1. وهذا النزوع المزدوج نحو استلهام المسرح الغربي كقوالب جمالية، وشحنه بمضامين تراثية عربية أغنى تجربة الصديقي، وأكسبها خصوبة كبيرة، وطابعا متميزا.

ومما لا شك فيه أن المسرح الشرقي لعب دورا كبيرا في تفجير نسق الغرب الفرجوي ودفعه إلى إعادة النظر في نمطية المسرح وجاهزيته. ويمثل أرطو أحد كبار رجال المسرح والماهدين الذين ردوا الاعتبار إلى الثقافة الشرقية، وتبعه في ذلك غروتوفسكي، وبيتر بروك، وجون لوي بارو… كما أن المسرح الملحمي مدين للشرق –المسرح الصيني على الخصوص- باللمسات الفنية والتخريجات الجمالية التي عمل بريشت على استلهامها وصقلها وتوظيفها.

وما دامت العودة إلى الأصول والانفتاح على الثقافات المنسية شكلت مطلب أرطو الكبير، ووجد هذا المطلب صداه في جل المسارح التجريبية، فلعل هذا هو السبب الذي دفع بـ جون فيلار مدير المسرح الوطني الشعبي T.N.P بفرنسا إلى حث تلميذه الصديقي على النبش في المخزون التراثي المغربي وإحيائه عبر تقديمه في عروض مسرحية. فهل هذا يعني أن أرطو يمثل مرجعا غائبا بالنسبة إلى الصديقي؟ ذلك ما سنحاول الكشف عنه بالوقوف عند بعض اختياراته الإخراجية.

2– مسرحة الصديقي للتراث والتاريخ واستلهام فكرة العودة إلى الأصول:

شكلت العودة إلى الأصول والمنابع هاجسا شغل جل المجددين المسرحيين وعلى رأسهم أرطو، ذلك أن تأسيس ثقافة مسرحية جديدة يقتضي القطيعة مع الأشكال الجاهزة المتداولة. وفي المقابل، فإن هذا الفعل أيضا يتطلب معانقة المسرح في صفائه وينابيعه بغية مساءلته والاستفادة منه.

من هنا “امتزجت إعادة اكتشاف المنابع بالنسبة إلى أرطو بالبحث عن نقطة الانطلاق وعن مبدأ توجيهي للخلق […] فأرطو هو أبرز من ذهب بعيدا في مساءلة جمالية مسرحية باسم العودة إلى تطبيق عملي قديم، عاطفي وفعال للعلامات” 2 .

إن هذا النبش في الذاكرة المسرحية والموروث الفرجوي هو ما سيقود لا محالة إلى الوقوف عند عدد كبير من الوسائل التعبيرية الفعالة المرتبطة بما هو ديني وطقسي، والتي لم يعد المسرح يستفيد من خدماتها.

وجدير بالذكر أن الرغبة في معانقة المنابع عبر اكتشاف أرطو لثقافات مغايرة ليس حلما ارتداديا في اتجاه المناطق المظلمة لفكر بدائي، ولكنها تأكيد على ضرورة إعادة ظهور الأنتروبولوجية التي من شأنها توليد لغة جديدة. وهو ما حدث بالفعل بالأرض المكسيكية وثقافتها الحمراء. وقبل ذلك بالفضاء الباليني … إلا أن إيجاد المنابع ثانية لا يعني فقط استبطان أرض الثقافات القديمة، ولكنه يعني كذلك التنقيب في الأعماق الداخلية للإنسان الذي يصير جسده أرضا بركانية داخلية […] فالإنسان يحمل بداخله القوة المضمرة والبدائية للبراكين، وهو يحتفظ بداخله “بكالباكوصاته” Ses calpagos و”أطلنتيداته” Ses Attlantides وأراضيه المولدة…”3.

إن المنابع والأصول ليست حكرا على الثقافة الشرقية والمسرح اليوناني، بل تشمل كذلك صانع هذه الثقافة أينما وجد، وهو الإنسان الذي صان بنيته الجسدية وحافظ على أصله. من هنا كان بامتياز خزانا أمينا لكل إنتاجاته عبر كل العصور. لذلك، فإن الثورة المسرحية ترمز إلى الجوهر الذي يجب العثور عليه ثانية، وهو اللغة الكونية، ذات الثقافات المتعددة والحضارة الواحدة.

يطرح تعامل الصديقي مع التراث والعودة إلى الينابيع الأصلية للثقافة العربية والإسلامية أكثر من تساؤل، ويجعل القراءات النقدية تتشعب وتختلف في هذا الشأن بين المنتمين إلى المسرح نفسه. فهذا زعيم الاحتفالية عبد الكريم برشيد مثلا يقول: “إن اسم الصديقي غالبا ما يرتبط –حين يذكر- بالتراث العربي الإسلامي. وإن هذا العشق الصوفي للذات العربية ولذاكرتها الغنية لم يأت في بدايته الفنية، وإنما في مرحلة الرشد والنضج، أي بعد أن استوعب كل التيارات المسرحية الغربية، وخبرها من الداخل واستنفذ كل ما لديها من بريق ظل لزمن طويل يسحره ويستهويه”4.

بالفعل، فإن انفتاح الصديقي على الموروث الثقافي الأنتروبولوجي، واقتناعه الراسخ بأنه لن يلعب موليير أفضل من الفرنسيين، ولا شكسبير أفضل من الإنجليز5 دفعه للتفكير مليا في ضرورة تقديم عمل مسرحي متميز يستحضر الهوية المغربية بمختلف روافدها، ويمسرحة النصوص التراثية غير المعدة بشكل قبلي لتقدم على خشبات المسرح. يقول في هذا الصدد:”لقد حملت هم البحث عن مسرح عربي/مغربي مغاير، مسرح بإمكانه أن يمتح ويتفاعل مع معطيات المسرح الغربي، ولكن باستطاعته أيضا أن يؤسس صيغته المستقلة. لذلك فكرت في اللجوء إلى التراث بكل أشكاله، سواء كان تاريخا أو شكلا مسرحيا. وفي غمرة هذا التوجه، تولدت لدي نزعة شكلية في الجسد المسرحي المغربي على حساب المضمون الذي فتح المجال أمام توظيفات فنية للأشكال ما قبل المسرحية (الحلقة، البساط، إلخ) والفنون الشعبية (الملحون التهاليل)”6.

غير أن تبئيره للموروث الثقافي التراثي واشتغاله على مختلف تمظهراته لم يكن فقط اجترارا وتكرارا لأفكار وأدبيات هذا التراث اللامادي، بل خلخلة وتفكيكا له وإعادة كتابة تتغيا قراءة جديدة مغايرة، خاصة بعد إلباسه طابعا مسرحيا فرجويا يوظف مختلف اللغات والعلامات المسرحية التي تروم سميأة العرض وصنع نسق سيميائي فيه من المرئي بقدر ما فيه من المسموع.

وهو ما يؤكده رشيد بناني الذي بقوله بأن “مساهمة الصديقي مثلت كشفا للمسرحيين في الشرق العربي، ونموذجا غير مسبوق لمسرح راق لا يقوم على أساس النص الأدبي على غرار ما كان رائجا في المسرح العربي في المشرق، أو وفق معايير الإخراج وأساليبه المتبعة في المسرح السائد في الدول الغربية، وإنما كان عبارة عن عمل يقرأ النصوص الأدبية التراثية العربية العتيقة والفصيحة بعين مخرج مسرحي عصري متشبع بالتراث السمعي والبصري وبفنون الفرجة الشعبية في الوطن العربي الكبير، ويوظف ما يناسب هذه الفنون بدربة فنان يلقي نظرة معاصرة على متون موروثة تنضج بحركية تتحدى الزمن، وبحيوية لا تبلى على مر القرون”.7.

شكل اشتغال الصديقي على التراث اللامادي إذن نوعا من التثمين المسرحي والرسملة لهذا الموروث الثقافي الذي نفض عنه الغبار، وخول له فرصة ثانية للحياة والديمومة والتفاعل مع أوسع القواعد الجماهيرية. غير أن تعاطيه مع التراث لم يكن دائما في المستوى نفسه، حيث قدم في بعض الأحيان مجموعة من الأعمال المتفاوتة في مستوياتها، والتي تكرس في بعض الرؤى والتصورات التاريخية والثقافية الثابتة والجامدة.

وهذه المحاباة والنظرة الايجابية لتعامل الصديقي مع التراث تأخذ منحى آخر عند عبد الرحمان بن زيدان الذي نعته بـ “الشيخ السلفي”، وقال فيه: “إنه ينتمي إلى الآن لكنه يفضل العودة إلى التراث المنسي، والحفاظ عليه كبنية ثقافية وشعورية وإيديولوجية ثابتة، ويظهر ذلك في تعامل الصديقي مع مجموعة من الشخوص الماضوية التي تقدم كما هي دون تحويل أو تغيير […] هذا الشيخ السلفي الذي كرس انتماءه إلى الماضي في “الإمتاع والمؤانسة”، و”سلطان الطلبة” وفي إخراجه لمسرحية “سيدي قدور العلمي”، والحراز “ومولاي إدريس” لم يستطع التعرف على مكونات القدم تعرفا دقيقا لكي يكتشف أبعاد الزمان والمكان…’8.

وقد سقط الصديقي بالفعل في بعض أعماله في شرك تقديس ما هو ماضوي وتمجيده دون محاولة تحليله وخلخلته. ولعل السبب في ذلك يعود بالأساس إلى اختياراته الفكرية والمعرفية التي اختلفت من مرحلة إلى أخرى، وموقفه الإيديولوجي المهادن والمشاكس في بعض الأحيان! كما أن اهتمامه الكبير بالجانب الإخراجي، والجوانب الجمالية قد يكون على حساب الكتابة الدرامية. فضلا عن كونه يستأثر بكل شيء في أعماله المسرحية من التأليف والتمثيل إلى الإخراج والإنتاج… علما بأن المسرح هو فن جماعي. ومن الضروري توزيع المهام على ذوي التخصصات حتى يكون العمل متكاملا، خاصة إذا تعلق الأمر بالنبش في الذاكرة التراثية التي تعرضت إلى التحريف والتوجيه.

ومن شأن نصوص مسرحية من قبيل ما كتبه الصديقي تكريس الثقافة الرسمية السائدة حول بعض القضايا التراثية التي تحتاج إلى توليد أسئلة جديدة موضوعية ومستفزة. “وعليه، فإذا كانت عروض الصديقي ترمي إلى إقناعنا من وجهة نظره الخاصة، أي من خلال مسرح رؤيوي (Visuel) يبحث عن اللمسات الجميلة التي تثير الانبهار في أعماق المتفرج، فإن النصوص التراثية التي قام بإعدادها أو مسرحتها (المجذوب، المقامات، أبو حيان التوحيدي)… الخ، قد أثارت العديد من الانتقادات لأنها لم تتعامل مع التاريخ إلا من منظور فوقي لا يتقمص حقيقته الجوهرية، ولا يسبر غور المجهول لفك ألغازه واستنطاق مكنوناته، وإنما يلتزم بمبادئ التناول الميكانيكي كما هو الشأن في مسرحية سيدي عبد الرحمن المجدوب”9.

وهذا ما يصدق أيضا على مسرحته للتاريخ عندما قدم عرضي “المغرب واحد، ومولاي إدريس”. وهما مسرحيتان خاليتان من العمق التاريخي في تناول الأحداث، بل يمكن القول إن الصديقي قدم سردا كرونولوجيا مدرسيا لبعض الوقائع المتفق عليها بين مؤرخي البلاط، في حين ابتعد عن القراءة التاريخية العلمية التي لا تقصي قوى الظل وتشير إلى إسهامها في صنع التاريخ. وهو الذي أسس المسرح العمالي لطرح إشكالات هذه الطبقة المسحوقة والواقعة خارج التاريخ !

يقول عبد الله العروي مؤكدا على الأهمية البالغة التي يكتسيها التاريخ في كل عمل مسرحي: “إن كل مسرح يتوقف في النهاية على كيفية رؤية التاريخ، حتى ولو كان الموضوع ليس تاريخيا بصورة نوعية. إن كل مسرح يتطلب وعيا منقسما منفتحا على الأقل، وينبغي أن تكون الشروط الاجتماعية ملائمة لكي يتمكن المؤلف من أن يفرض على المتفرجين طرحا للمناقشة لمعنى التاريخ”10.

ومهما يكن من أمر، فربما يكون نضج تجربة الصديقي، واقتناعه بضرورة الانتصار للقيم الجمالية للمسرح، وتحاشيه الدخول في مواجهة مع المؤسسات الرسمية- كما هو الحال في مسرحيته “تمرين الأكباش” التي تألقت عربيا ومنعت مغربيا- وفتنة التجريب والسبق المسرحي شفيعا له في الحيف الذي ألحقه عن غير قصد بالتاريخ والتراث معا. فليس المهم في نظرنا هو الاستعراض الفرجوي للأحداث التاريخية المغلفة بأقنعة تراثية، بل المهم هو التحلي بالشجاعة الكاملة في إبداء موقف من التاريخ المفترى عليه.

وعلى الرغم من أنه ليس مطلوبا من المسرحي أن يكون مؤرخا، أو قارئا مأدلجا، منتصرا لوجهة نظر تاريخية مناهضة للخط الإيديولوجي الرسمي، وإنما صانعا للجمال والمتعة بالدرجة الأولى تماشيا مع التحولات الكبرى التي عرفها العالم فكريا وإيديولوجيا، إلا أنه في المقابل يجب ألا يكون العمل المسرحي المقدم مهما بلغ مستواه الجمالي “محافظا”، لأن مهمة الفنان ووظيفته أيضا تكمن في وضع كل شيء موضع تشكيك ومساءلة ديكارتية عقلانية.

وفي المحصلة، فإن قراءة الصديقي في تعاطيه مع التراث يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مختلف مساراته التي تكيف فيها مع طبيعة السياق الثقافي والسياسي لكل مرحلة، حيث تشبع في بداياته بالعمل المسرحي المسربل بالنفس النضالي اليساري المعارض من خلال تجربة المسرح العمالي، ودفاعه عن حقوق العمال والطبقات الاجتماعية المسحوقة، إلا أنه بعد ذلك تجاوز شرنقة الإيديولوجي ليهيم في مختلف الأبعاد الفنية والجمالية، عبر تقديم فرجات مسرحية شاملة تحضر فيها الاحترافية والمهنية، والصنعة المتفردة.

وقد فطن أرطو من قبل إلى ضرورة إحياء فكرة المسرح الشامل منذ مرحلة مسرح ألفريد جاري الذي جاء كرد فعل ضد المسارح السيكولوجية المتطفلة. يقول أرطو: “فالذي نريده هو أن نحدث قطيعة مع المسرح الذي يعتبر نوعا متميزا، ونعيد إلى الوجود هذه الفكرة القديمة التي لم تتحقق أبدا في العمق، وهي الفرجة الشاملة، دون أن يتطابق المسرح في أي وقت من الأوقات طبعا مع الموسيقى، أو مع البانتوميم أو الرقص، ولا حتى مع الأدب على وجه الخصوص”11.

ذلك أن لكل فن خصائصه ومميزاته. لكن المسرح يعمل على خلق الوحدة والانسجام بين كل هذه الفنون. فاختلافها لا يعني بالضرورة تنافرها، إذ يمكن دمجها لخلق عرض مسرحي غني بشتى أنواع التعابير. فعندما يقصد المتفرج المسرح، يكون المخرج- الذي يريد أن يسحره ويجعله يندمج في الفرجة – قد أعد له سلفا طابقا مسرحيا متنوعا على المستوى الفكري والجمالي. وهو ما تعكسه جل أعمال الصديقي المبنية على صناعة فرجة مسرحية شاملة ومتناغمة، تحضر فيها جمالية السينوغرافيا، وفنية الغناء والرقص، وعمق الأدب الشعبي التراثي، وحرفية الإخراج…

3- حضور مسرح القسوة في الإخراج المسرحي عند الصديقي.

من البدهي أن أنطونان أرطو شكل مرجعية أساسية وهامة لجل المسارح الغربية الحديثة التي أعقبت زمن الحرب العالمية الثانية. وتدين أغلب المسارح التجريبية والطليعية لهذا المسرحي بالكثير من الرؤى والتصورات الفكرية والجمالية التي قادتها إلى بناء مدارس وتوجهات مسرحية استبدلت منطق الاتباع بالأفق المفتوح للابداع، وراهنت على تجاوز الكائن نحو الممكن والمحتمل. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، مسرح العبث، والمسرح الحي، وتجارب كل من بيتر بروك، وجون لوي بارو، وروميو كاستلوسي…

في هذا الاطار، فقد تعالت مجموعة من الصيحات لتجاوز الفضاء المعروف بالعلبة الايطالية التي يتم فيها الفصل بين القاعة والخشبة. وإذا كان بريشت يدعو في مسرحه الملحمي إلى تفجير الشكل الايطالي باقتراحه دفع القاعة في الخشبة، وإزاحة الجدار الوهمي الرابع لتحقيق نوع من التجاوب بين الممثل والمتفرج، وليأخذ التغريب مجراه الحقيقي، فإن أرطو دعا إلى التخلي بشكل نهائي عن الفضاء المعروف وهجره.

يقول في هذا السياق: “سنلغي القاعة والخشبة ونستبدلهما بمكان واحد دونما حواجز أو فواصل من أي نوع […] وستنشأ علاقة مباشرة بين الممثل والعرض، وبين الممثل والمتفرج […] وهكذا سنهجر قاعات العرض الحالية لننتقل إلى بعض المخازن أو الحضائر التي سنعيد بناءها وفق النماذج المعمارية التي أدت إلى بناء بعض الكنائس، أو الأماكن المقدسة، أو بعض معابد التبت العليا”12.

إن دعوة أرطو للعب المسرحي داخل المخازن أو السقائف غير المهيأة بشكل قبلي لتقديم عمل مسرحي لا تعود فقط للمشاكل المادية، أو بحثا عما هو غير رسمي، وإنما لأنه سيسهل عليه تنظيم مناخ جديد للعب دون عوائق. كما أن بحث أرطو عن فضاء تتحرك وسطه الأشكال، هو بحث عن لغة حركية ورفض للغة الساكنة والجامدة، وإرساء نظام داخلي يتسم بالدينامية والقابلية للتحول والتبدل. “لهذا السبب يقترح أرطو استبدال المفهوم الغربي للمسرح الكلامي المحض، والذي لا يمثل فيه الإخراج سوى عنصر مكمل أي “ديكور”، بمكان حيوي، حيث توضع الروحانية مع المواد والمصونات المحبوكة. بهذا يصير الخلق المسرحي ميتافيزيقا للحركة الأنطولوجية للمكان”13.

وعليه، فإن الخشبة الآرطية المستقلة تصبح مكانا لانبعاث أنطولوجي، حيث يمكن للفرجة أن تخلق لدى المتفرج إحساسا بأن ما يقع على الخشبة يخلق بداخله ومن طرفه. وحول خاصيات هذا الفضاء المسرحي الجديد يشير أرطو إلى أنه “ستسود داخل هذا البناء نسب معينة من الارتفاع والعمق. وسيحاط بأربعة جدران بغير زينة من أي نوع. وسيجلس الجمهور وسط المكان على كراس متحركة، تسمح له بمتابعة العرض الذي يدور حوله […] وستخصص أماكن معينة للممثلين والفعل المسرحي في أربع نقط بارزة. وستمثل المشاهد أمام جدران مبيضة مخصصة لامتصاص الضوء، كما ستعلو البهو أروقة على طول محيطها كلوحات الرسامين البدائيين”14. بهذا المعنى، يكون أرطو قد قام بتفجير فضاء اللعب، ووسع إمكانية المشاركة، وجعل الأجساد تتحدث لغتها الخاصة في كل مكان.

إن الخشبة عند أرطو لا تنحصر في كونها مكانا فيزيقيا أو هندسيا بسيطا، بل هي أكثر من ذلك الفضاء الذي تحضر فيه الميتافيزيقا المتحركة، وتعلن عن نفسها فيزيقيا بفضل عمل الممثل الذي يجب أن يكون تحركه داخل هذا الفضاء منسجما ومنسقا بشكل يجعلنا نعترف بتحكمه في هذا البعد المكاني. كما أن ملء الممثل لهذا الفضاء يجب أن يتم عبر تشكيله لمجموعة من العلامات، وتجاوزه للغة الكلمات التي لم تعمل سوى على خنق روح المسرح، وجعله يخضع لديكتاتورية النص والأدب.

إن ما حاول أرطو فعله هو خلق شاعرية للمكان في مقابل شاعرية الحدث. كما أنه جعل من الجسد في كائنه وممكنه بؤرة للتوتر، تتراكم داخلها جميع أنواع العلاقات الأفقية والعمودية التي من شأن فضاء مسرحي من هذا القبيل خلقها.

ورغم أن المسرح العربي والمغربي لم يستلهم أرطو بشكل مباشر ودقيق، إلا أن مجموعة من التجارب المسرحية الواعية تشهد على ورود أرطو ضمن أهم مرجعياتها، كما أن تأثر العديد من الأسماء المسرحية المغربية بتوجهات مسرحية نهلت من أرطو يعد في حد ذاته تأثرا بالنيابة وليس بالأصالة من أرطو.

وقد أشاد كبار النقاد المسرحيين العرب بالتجربة المتفردة للصديقي، وبإتقانه لصنعته ومعرفته بحرفيتها. يقول سعد أردش: “… ولقد أكدت تجربته المشهورة “مقامات بديع الزمان الهمداني” أنه من القلائل الذين وضعوا خطة عملية لتأصيل المسرح العربي على أساس من الفن الشعبي”15 بما في ذلك توظيفه لفضاءات لعب شعبية، لها علاقة بالذاكرة الجماعية للمتفرج المغربي، وتشكل عمق نسقه الثقافي الأنتروبولوجي.

وتتميز تجربة الإخراج المسرحي عند الصديقي ببحثه الدؤوب عن السبل الكفيلة بمد جسور التواصل الأفقي بين الممثلين والمتفرجين ليصير المسرح فنا شعبيا متداولا. وهذا يتضح من خلال رفضه للفضاء المسرحي الايطالي الغريب عن الثقافة الشعبية، وتعويضه بفضاء دائري-الحلقة- انطلاقا من كون هذا الشكل متأصلا في الاحتفالات والطقوس العربية. “إنه حرر المسرح من المسرح. فقد أخرج الفن من البناية وجعله يكون تظاهرة شعبية تتم في أي مكان. وبهذا قدم مسرحية (الملوك الثلاثة) في ملعب رياضي، كما قدم مسرحيات أخرى مثل (المولى إسماعيل) و(ديوان سيدي عبد الرحمان المجذوب) في الساحات العامة وعند أبواب المدن التاريخية”16.

وهو ما يؤكده رشيد بناني الذي ذهب إلى أن الصديقي لم يساهم فقط في لفت انتباه المسرحيين المغاربة والعرب إلى ضرورة مسرحة التراث، والاهتمام بمختلف الجوانب الإخراجية، بل “ربط هذه القضية أيضا بهندسة فضاء الفرجة وموقعه في وسط المدينة العربية القديمة. لقد شرع الصديقي في نفس الوقت في إنتاج مسرح قابل أن يقدم في أي مكان(سواء كان مسرحا أو ملعبا رياضيا، أو منصة خشبية، أو ساحة عمومية، أو سوقا أسبوعيا…)”17

ومن المحتمل أن اختيار الصديقي للفضاءات الدائرية المفتوحة والأماكن غير المخصصة أصلا للعب المسرحي كان بوحي غير مباشر من أرطو الذي يعد أول من دعا بشكل صريح وملح إلى هجر العلبة الايطالية، وتعويضها بفضاءات دائرية أو كنائس أو هري… حيث يتحقق أكبر قدر من التواصل والاندماج بين الممثلين والمتفرجين، وهو ما سعى الصديقي إلى تحقيقه كذلك بإشراك الجمهور في عروضه المسرحية مستغلا هذه الفضاءات التي تساعد على إحداث تجاوب بين المرسلين والمتلقين. “فإذا كان الصديقي قد استنفذ كل المدارس الدرامية […] فقد قرر أن يردم الحاجز الذي يعزل الجمهور عن الوسط المسرحي الذي أصبح خاضعا لبلاغة تكرارية”18.

وبما أن المسرح المغربي ظل يعاني على الدوام من قلة الإقبال الجماهيري على عروضه بالنظر إلى بعض المعطيات المادية والثقافية، فإن هذا ما حذا بالصديقي في إطار “مسرح الناس” إلى البحث عن الجمهور والتنقل عبر مختلف الأقاليم المغربية لتقديم عروضه في خيمات كبيرة تنصب داخل ساحات عمومية. وفي اختيار “مسرح الناس” لهذا النوع من الفضاءات انزياح عن التصور السائد الذي يربط المسرح بتوفر بناية خاصة به…

وارتباطا دائما بالتنقيب عن المرجعيات الإخراجية عند الصديقي، نجده يعمد إلى بلورة ما اصطلح أرطو على تسميته بـ “المسرح الشامل”، أو “الفرجة الشاملة” التي تقحم العلامات المسرحية المرئية والمسموعة لسميأة العرض وجعله يتكلم لغات مختلفة ومتباينة. وذلك ضدا على ديكتاتورية اللغة الكلامية التي خنقت المسرح، وأفقدته طابعه الشمولي الذي يقوم على صهر كل الفنون والآداب في بوثقة واحدة. “لذلك اتخذ –أي الصديقي- “الحلقة” كفضاء سحري يخول له تقديم عرض شامل يوظف العديد من الوسائل التقنية التي تجمع بين المألوف والغريب، وبين الشاعري والمبتذل، بين السمعي والبصري، بين الإنساني والشيئي”19.

وحتى نبتعد عن كل إسقاط أو حكم نشاز، نقول بأن مسرح القسوة بعد أرطو صار ملكا مشاعا لكل الثقافات والأجناس، حيث أخذ كل واحد منه ما يتماشى والتصور العام الفكري والجمالي الذي يحكمه. ولذلك، فإننا لا ندعي أن الصديقي استفاد مباشرة من أرطو، لكن استلهامه للمسرح الطليعي الغربي –الذي يعد ابنا شرعيا لأرطو – هو في حد ذاته استلهام لأرطو، ولأفكاره التي ظلت مشاريع تنتظر البلورة والتحقيق.

ورغم ما يمكن أن يقال عن الصديقي فكريا وجماليا، فإنه مع ذلك يظل أحد أبرز ركاب موجة التجريب المسرحي العربي الرامي إلى البحث عن قالب مسرحي متميز. وتظل بعض أعماله شاهدة على ذلك. يقول رياض عصمت في تقييمه لمسرحية “بديع الزمان الهمداني”: “لقد قام الصديقي بعمل على مستوى عالمي […] لقد جاءت براعة الصديقي من خلال استخدامه للإيحاء بدلا من الرمز الواضح Allegory بينما تبدو معظم الأعمال العربية –الأكثر ترابطا ووحدة من جهة النص –بدائية فنيا من هذه الناحية”20.

ليس المهم دائما هو قوة النص المسرحي وتماسكه، بل الأهم هو كيفية نقله فنيا إلى الركح ليصير أدبا يمشي ويتكلم، وهو ما يثمنه أيضا الدكتور محمد الكغاط في قراءته لإخراج الصديقي “للمقامات”، حيث يشير إلى أن “إلمام المخرج – المؤلف بتقنية الحوار، وبتقنية الخشبة يساعده على تطوير الأشكال التراثية غير المسرحية للمسرح معتمدا في عمله هذا على عناصر العرض لتغطية ما قد يتسم به النص من ضعف. وأعتقد أن الصديقي استطاع أن يقدم نموذجا تطبيقيا للمزاوجة بين التراث والتقنية الغربية بسبب إلمامه بهاتين التقنيتين: تقنية الحوار وتقنية العرض. ولو شاء لقدم معلقة امرئ القيس في شكل مسرحي”21.

إن مهمة المؤلف لا تعدو كونها كتابة مجردة، إلا أن الذي يزرع الروح في هذا الجسد –الكتابة- هو المخرج الذي ينقل النص من التجريد إلى التحقيق، ومن الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. ولن يتأتى ذلك إلا إذا أعطينا لكلمة إخراج على حد تعبير أرطو “معناها الأكثر اتساعا، واعتبار كل ما يوضع على الخشبة لغة بدل اعتباره كواقع ثان للنص، ووسيلة تمديد حركية وموضوعية له. يصبح المخرج المسرحي هنا إذن مؤلفا، أي خالقا”22.

بناء على ما تقدم، فإن الصديقي أيضا على غرار أرطو يؤمن بأولوية الإخراج المسرحي على الكتابة الدرامية، وأن النصوص المسرحية قابلة للمسرحة والتمسرح ما دام النص المسرحي يظل دائما بداية للعمل المسرحي وليس نهاية له. وبالجملة، فإن مظاهر التأثر غير المباشر للصديقي بأرطو يمكن حصرها فيما يلي:

أ- يمثل أرطو بالنسبة إلى الصديقي مرجعا غائبا بالنظر إلى عودة هذا الأخير إلى الينابيع الأصلية للثقافة العربية الإسلامية، ومسرحته للطقوس والتقاليد المغربية.

ب- قد يكون تمرد الصديقي على العلب الايطالية واستبدالها بالخيام الكبيرة والساحات العمومية بوحي غير مباشر من أرطو الذي يعود إليه الفضل على كل المسارح التجريبية في تخليصها من أصفاد المعمار الايطالي النمطي.

ج- استفادة الصديقي بشكل غير مباشر من مسرح القسوة الذي صار ملكا مشاعا لكل الثقافات من خلال استلهامه لمفهوم “الفرجة الشاملة”، و”الجذبة” La transe، وإعطائه أهمية كبرى للإخراج على حساب النص والمؤلف.

4– خلاصة:

إن النبش في مرجعيات التجربة الكبيرة والمتميزة للطيب الصديقي قادتنا إلى الإحالة على مجموعة من الأصول النظرية التي استقى منها مفردات تجربته، سواء بشكل مباشر مع أساتذته أندريه فوازان، وجون فيلار… والمسرح الغربي الطليعي والتجريبي، والتراث اللامادي المغربي والعربي في بعديه العالم والأنتروبولوجي، أو بشكل غير مباشر مع أنطونان أرطو ومسرح القسوة الذي يعد سلطة مسرحية فكرية وجمالية أثرت بشكل كبير على كل التجارب المسرحية التجريبية التي جاءت بعد الخمسينيات من القرن الماضي. ويضل الصديقي رحمة الله عليه علامة بارزة في الريبرتوار المسرحي المغربي والعربي. كما أن الإرث الفني والمسرحي الكبير الذي خلفه في حاجة ماسة إلى مزيد من الدراسة والفحص من زوايا علمية مختلفة.

الهوامش:

* – جامعة المولى إسماعيل، الكلية المتعددة التخصصات، الرشيدية.

 1- Monique Borie : Artaud.Le théâtre et le retour aux sources : Gallimard, Paris 1989.p:7

2- OP.cit.P : 76

3- حسن المنيعي: آفاق مغربية، مكناس، 1981، ص 61.

4- عبد الكريم برشيد: الملامح الأساسية للإخراج المسرحي بالمغرب، مجلة المدينة، العدد السادس، البيضاء، ص 20.  

5-حسن حبيبي: الطيب الصديقي قصة مسرح، مطبعة دار النشر المغربية، 2011، ص 171

6- المرجع نفسه، ص 121.

7- رشيد بناني. مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي. إصدارات أمنية للإبداع والتواصل، 2014، ص 171

8-عبد الرحمان بن زيدان خطاب التجريب في المسرح العربي. مطبعة سندي، مكناس، ص: 231

9 -Antonin. Artaud (Premier manifeste) “in” le théâtre et son double. Gallimard 1976

p : 148-149.

10 -Jacques Carelli. A. Artaud et la question du lieu. Librairie Cot, Paris 1989 p : 81

11-Antonin Artaud :Théâtre Alfred Jarry.O.C.II.OP .Gallimard 1974 :35

12 -A. Artaud. Le théâtre et son double. Op cit ,p : 149.

13- حسن المنيعي: “هنا المسرح العربي، هنا بعض تجلياته، منشورات السفير،

مكناس 1995ص: 79.

14- عبد الله العروي: الإيديولوجية العربية المعاصرة. ت: محمد عيتاني. دار الحقيقة. ط: الثالثة. بيروت. 1979. ص: 170.

15- سعد أردش المخرج في المسرح المعاصر. عالم المعرفة، ع 19، 1979 ص: 381.

16- عبد الكريم برشيد: الملامح الأساسية للإخراج المسرحي بالمغرب. مجلة المدينة.

مرجع سابق. ص: 21.

17 – رشيد بناني: مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي، مرجع سابق، ص 147-148 .

18- حسن المنيعي: هنا المسرح العربي هنا بعض تجلياته. مرجع سابق، ص: 69.

19- حسن المنيعي: المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة. منشورات كلية الآداب، ظهر المهراز، فاس، 1994. ص: 12.

20–نقلا عن سعد أردش: المخرج في المسرح المعاصر، مرجع سابق. ص: 283.

21- محمد الكغاط: بنية التأليف المسرحي بالمغرب منذ البداية إلى الثمانينات. دار الثقافة، 1986، ص: 294.  

22- A. Artaud (L. André Gide. Dimanche 7 Out 1932) “in” O.C.V. Gallimard 1976. p: 88.

شاهد أيضاً

فرجات الأماكن الأخرى : تأملات في فرجات الملاعب بالمغرب

خالد أمين “خلافا لجمهور أبولون، تصنف جماعات الألتراس على الطرف النقيض. فأعضاؤها شباب في مقتبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *