مسرح الاحتجاج في الغرب

 د. حسن المنيعي

  مقـدمـة

 إن الكاتب الدرامي الكبير – كما يقول إسخيلوس – ” هو الذي يقدم صورة عن عصره وذلك من خلال رسم أهم صراعاته وانتصاراته وإخفاقاته”. وهذا ما نلمسه في المسرح اليوناني الذي رصد في البداية حياة الآلهة، ثم انتقل إلى حياة الأبطال/ الموتى: الشيء الذي يؤكد لنا الدور الرئيس الذي قام به المسرح في الحياة السياسية الأثينية، واهتمامه بما حققته “المدينة” من انتصارات كما هو الشأن بالنسبة لـ”سلامين” Salamine في مسرحية “الفرس” Les Perses لإسخيلوس (474 ق.م).

وكذلك الأمر بالنسبة للمسرح اللاتيني الذي اتسم بطابع شعبي من خلال ما عرفه من احتفالات: مثل احتفالات “لودي” Les Ludi التي هي عبارة عن استعراضات كرنفالية ينتقد العامة خلالها – وبلغة ساخرة – الحكام وممثلي السلطة. وإذا كانت وظيفة هذا المسرح تقوم على “الاحتجاج”، فإن ممارسته كانت تجري في مكان وزمان تحددهما السلطة نفسها.

وهذا يعني أن المسرح هو ممارسة مؤسساتية، وأن تنظيم “فرجة” هو في الأساس حدث سياسي يعبئ موظفي المدينة وأماكن عامة، كما يستحضر جمهوراً يغطى كل شرائح المجتمع. هذا ما يؤكده تاريخ المسرح في علاقته بتطور المدينة التي عمل امتدادها الحضري – كما يقول جان دوﭬينيو J. Duvigaud- “على تغيير العلاقات بين الناس، حيث عوَّض علاقات السيطرة والعنف بعلاقات الكلام، وأحلَّ، في قلب النشاط الإنساني. اللغة، والخطاب الشفوي، والإقناع والنقاش السياسي” ([1]).

على ضوء هذا التغيير، تحول المسرح إلى صناعة تخضع لرقابة الدولة كما هو الشأن في فرنسا، وذلك منذ العصر الكلاسيكي وإلى حدود منتصف القرن التاسع عشر. على أنه مع مجيء الرومانسية، عرف المسرح طفرات إبداعية رافقتها تنظيرات تؤكد على ضرورة ردم تراتبية الأجناس، والتوجه إلى جمهور موحد مما سيؤدي لاحقا إلى تأسيس المسارح العامة والخاصة، وضمنها مسارح كان من أهم مبادئها استقطاب جمهور شعبي، والعمل من منطلق سياسة ثقافية تهدف إلى خلق مسرح يشكل “مصلحة عامة”. وهو الشيء الذي سيؤدي إلى ظهور مسرح “سياسي احتجاجي” في بداية القرن الماضي، وذلك في معظم الدول الأوروبية وعلى الخصوص في روسيا، التي ساهم أدباؤها في تأسيس طليعة أدبية وفنية تجسدت أعمالها في حركة “المستقبلية” Le Futurisme التي ترى أن “التحديث” مذهب يولد الطليعة، ويعمل على ترويجها ونشر مبادئها.

من خلال هذه الحركة، ظهر فن “تصوري” ([2]) Conceptuel وسلوكي غطَّى سنوات القرن العشرين. وقد كان من أعلامها مياكوفسكي Maïakovski الذي يؤكد على ضرورة أن يكون الفن وظائفيا وبناء. ومن ثم فإن شعر المستقبلية – كما يقول – “هو شعر المدينة المعاصرة التي أغنت تجارب الشعراء ومشاعرهم بعناصر جديدة لم يفهمها شعراء الماضي”. أما عن الالتزام السياسي للفنان المستقبلي، فقد كان يتطابق مع منطق جماليته، لأن الثورة الماركسية هي، من حيث جوهرها، ثورة مدنية صناعية وخلاقة. لهذا لم يعد الفن منفصلا عن السلوك الفعلي، بل صار مندمجاً في الحياة الاجتماعية، خصوصاً وأن الإنسان الشمولي اللامستلب هو في نظر الماركسية كائن يستطيع أن يصنع قدره بنفسه.

نماذج من مسرح التحريض والاحتجاج السياسي في أمريكا

إن اندماج الفن في الحياة الاجتماعية هو الذي جعل من المسرح – منذ نهاية القرن التاسع عشر – حركة جديدة في كل من روسيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا وغيرها من الدول الغربية، كان هدفها إيجاد مسرح شعبي يتوجه إلى عامة الناس، وعلى الخصوص إلى الطبقة العاملة التي انتظمت في إطار نقابات بعد تشبعها بمبادئ الاشتراكية. من هنا ظهر مسرح سياسي تبلورت أشكاله في “فرجات حية”، انعكست أبعادها في العلاقة الجديدة مع الجمهور. وقد كان من أهم هذه الأشكال مسرح التحريض والدعاية Agit – prop الذي ظهر في روسيا بعد ثورة أكتوبر، حيث كانت غايته أولا ترويج مبادئ الماركسية اللنينية، ثم تحول بعد ذلك إلى مسرح احتجاجي تقدم عروضه، في الغالب، أمام جمهور عمالي. وكذلك الأمر في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، إذ كانت هذه العروض تعمل على إدانة الحرب وما ترتب عنها من أوضاع مزرية بالنسبة للمواطنين.

أما في أمريكا – وخلال الأزمة الاقتصادية التي عرفتها سنة 1929 – فقد سارع مسرحيون [ أمثال كليفور أودتس Clifort Odets وأبتون سنكلير Upton Sinclair وجوزيف لوزي J. Losey. وإليا كزان Elia Kazan وغيرهم ] إلى معالجة أبعاد هذه الأزمة في أعمال فنية تخترق قواعد الفرجة التقليدية، وتوظف أماكن مفتوحة (الساحات العمومية – أرصفة الشوارع الخ ) لدفع الجمهور إلى المشاركة، ولتحسيسه بالقضايا السياسة الكبرى، اعتمادا على أشكال أخرى كمسرح الجريدة الحية The Living Newspaper الذي ينحصر في مَسْرَحَةِ الأخبار الواردة في الصحف، والتعليق عليها ومناقشتها بمساهمة الجمهور، وحفلات الأغاني الجماعية ومسرح الكابري Th. Cabaret الخ… .

وإذا كانت عروض مسرح التحريض والدعاية تختلف من بلد إلى آخر، فإنها كانت تقدم في الغالب خارج قاعة المسرح. وهذا ما جعلها – بحكم طابعها الاحتجاجي السياسي – تتحول إلى فرجات درامية تستمد موضوعاتها من الواقع اليومي. إضافة إلى ذلك، فإنها تعتمد نقلات فنية كالحركة، والرقص، والموسيقى، والجريدة الحائطية والشفوية، والنكتة، والوسائط السمعية وكل ما يمكن أن يشكل أداة لتوعية الجمهور وإشراكه في العمل الفني، الذي ساهم في إبداعه كتاب أمثال مياكوفسكي (روسيا) وجاك برﭬير G. Prevert (فرنسا)، كما ساهم في إثرائه ودعمه مخرجون ومنظرون أمثال إروين بسكاتور E. Piscator وماييرهولد Mayerhold وماكس رينهارد M. Reinhardt وبرشت B. Brecht وغيرهم.

*

*      *

ومن المعلوم أن النقلات الفنية التي ارتبطت بمسرح التحريض والدعاية سنجدها تتكرر في توجهات مسرحية حديثة تقوم على الاحتجاج، ومنها على الخصوص ممارسات بعض الفرق التي يكون عملها إنتاجاً جماعياً. فخلال سنوات الستينات والسبعينات، ظهرت في أوروبا وأمريكا مجموعات مسرحية كانت أعمالها تعكس بوضوح إدانتها للمؤسسة وثقافتها الرسمية، لأنها كانت تطبق سياسة التنافس والاختصاص (سواء على المستوى الجمالي أو الاجتماعي أو السياسي) وذلك بالنسبة للفرد باعتباره كاتباً درامياً أو مخرجاً أو سينوغرافياً أو ممثلاً.

من هنا، فإن العمل في نطاق الجماعة قد أدى إلى بروز مسرح احتجاجي يقوم على تقنيات الارتجال، والكتابة الدرامية والمناقشة مع الجمهور. ومادامت دراستنا لا تخضع لتوثيق تاريخي، فإننا سنشير إلى بعض الجماعات التي حاولت تحقيق تغيير اجتماعي. ففي أمريكا، مثلا، ظهرت جماعة “سان فرانسيسكو مايم تروب La San/Francisco Mime Troupe التي قدمت في الهواء الطلق أعمالا مقتبسة من الكوميديا المرتجلة وذلك أمام جمهور لم يتعود الذهاب إلى المسرح، كما قدمت مسرحية لـ “برشت” (مؤتمر الصبانين البيض)، إضافة إلى عدة أعمال أخرى مستمدة من أحداث سياسية واجتماعية عالجت من خلالها موضوعات مثل حقوق المرأة، والزنوج، وعلاقة المخابرات الأمريكية بتجارة المخدرات في الفيتنام، والفساد السياسي المرتبط بسماسرة العقار، والعلائق المشبوهة بين الحكومة الفدرالية والشركات الكبرى، بما في ذلك شركات البترول التي تتحمل مسؤولية تلوث المدن.

وقد كان عرض هذه الأعمال لا يتجاوز ساعة أو عشرين دقيقة، كما كانت أساليبها تعتمد الارتجال، والرقص، والألعاب البهلوانية، واستعمال الدمى، والرسوم إضافة إلى تقنية الكوميديا المرتجلة وما تقوم عليه من تضخيم للحركة وتوظيف للأقنعة. وهذا ما جعل المجموعة تستقطب جمهوراً واسعاً لا يؤدي أحياناً ثمن مشاهدة الفرجة، علماً بأن أعضاءها قد تحولوا إلى شبه بروليتاريا فنية ماركسية.

إلى جانب هذه المجموعة نجد مسرح الكامبسينو  Theatro Campesinoالذي أسسه لويس ﭬلديز L. Valdez سنة 1965 في الجنوب الشرقي من أمريكا، والذي كان يقدم عروضه للعمال المكسيكسيين في المزارع والحقول والمخيمات. وهي عبارة عن مشاهد نقدية Actos تهدف إلى توعية العمال بمشاكلهم وإلى دفعهم إلى الاحتجاج على مستغليهم. وهناك أيضا مجموعة “الخبز والدمى” Bread and Puppet، والمسرح الحي Living theatre والمسرح المفتوح open theatre ومسرح الوقعة Happening وغيرها من المسارح الراديكالية التي تحث الجمهور على المساهمة في العمل المسرحي، كما تحرص جميعها على توظيف أساليب فرجوية شعبية كالكوميديا دلارتي، والهرجة Farce والكاريكاتور والميم. أما على مستوى المضمون، فإنها كانت – رغم تفاوت طريقة اشتغالها – تستعمل “تقنية المرآة”: أي أن جمهرة من الناس تتأمل صورتها أولا، ثم تدرك الانعكاس الحي لانهماكاتها الحقيقية. فعن طريق هذه الازدواجية يصبح الجمهور متمركزاً حول ذاته، كما يتمظهر ويتقوَّى وعي جماعي بالمشاكل المعيشة وبضرورة العمل على حلها عبر التمرد والاحتجاج.

*

*      *

نماذج من مسرح الاحتجاج السياسي في أوروبا 

وهكذا، فإذا كانت هذه المجموعات وغيرها قد عملت على ترسيخ مسرح المساهمة والاحتجاج في أمريكا، فقد نهج نفس الأسلوب تقريباً العديد من الفرق في أوروبا كألمانيا، وبلجيكا، وفرنسا على الخصوص وذلك بعد ثورة 1968. وهذا ما أدى في نهاية الستينيات إلى تعدد أشكال الممارسة المسرحية وتأرجح أهدافها بين الاحتجاج والتحريض السياسي، ومؤازرة العمال عن طريق مَسْرَحَةِ مشاكلهم كما فعلت مثلا فرقة “الأكواريوم” الفرنسية، التي أعدت سنة 1976 عملا رائعاً بمعية عمال مصنع، ثم قدمته بعنوان “القمر اليافع يحتضن القمر العجوز ليلة كاملة” La jeune Lune tient la vieille lune toute une nuit dans ses bras. وهو عمل يقوم على خطاب احتجاجي يعكس إضرابات العمال واحتلالهم للمصانع، وذلك  بأسلوب مسرحي يسترشد بالجماليات البريشتيه، كما يقوم على شهادات حية: الشيء الذي دفع الممثلين إلى معايشة تجربة العمال وإعادة إنتاجها بطريقة شعرية ([3]).

في السياق نفسه، أنجز أرمان غاتي A. Gatti مسرحيات مستمدة من نضال المقهورين؛ وكذلك فعلت أريان منوشكين A. Mnouchkine التي تعد عميدة مسرح الاحتفال والمقاومة في فرنسا، حيث جعلت جمهورها الشعبي – من خلال مسرحيتيها 1789 و 1793، وكذا من خلال رائعتها “العصر الذهبي” – يشاهد احتفالات وتأملات حول تاريخ وميثلوجيا الثورة الفرنسية، وكذا حول وضعية العمال المهاجرين إلى فرنسا.

من هنا، فإذا كان المسرح الأوروبي قد حرص منذ بداية القرن الماضي على أن يكون مسرحاً جماهيرياً أو شعبياً يرتبط بالواقع المعيش، فإن بعده الاحتجاجي قد انعكس في تبني شعارات مثل: الثقافة للجميع – تجريد الثقافة من طابعها البورجوازي – استمرارية الثورة – النضال السياسي المستمر – الارتكاز على الشعور الجماعي – البحث عن الكوني – النقد – المعارضة والاحتجاج.

– مسرح الشارع

وقد تبلور هذا البعد الاحتجاجي على الخصوص في مسرح الشارع Théâtre de Rue وذلك في العديد من الدول الأوروبية و في فرنسا خاصة، نظراً لدعمه من لدن الجماعات الحضرية في المدن، ونظراً أيضا لمجانيته. وبما أن الفضاء الحضري هو المكان المؤطر لهذا المسرح، وأن المسرحيين العاملين في جنباته يسعون إلى ترسيخ ثقافة مسرحية معينة، فهل يمكن اعتبار مسرح الشارع أو الحي ” مجالا عاما ” Espace public كما حدده يورغن هبرماس Y. Habermas ؟

مفهوم “المجال العام” لدى هابرماس وموقعه تجاه بعض التجارب المسرحية

 من المعروف أن هبرماس قد درس في كتابه “المجال العام” L’Espace public الطريقة التي تمكنت من خلالها بورجوازية القرن الثامن عشر امتلاك الممارسات الثقافية التي كانت تسيطر عليها الأرستقراطية بعد أن كان الأمراء والنبلاء وغيرهم من علية القوم هم الذين يُموِّلون ويراقبون الإنتاجات الأدبية والفنية للتأكيد على رفعة مكانتهم في المجتمع. وللتخلص من هذه السيطرة على الثقافة السائدة، عمدت البورجوازية إلى ابتكار فضاءات للإبداع وترويج أشكاله مثل الصالونات الفنية، والجمعيات العلمية، والمقاهي، وقاعات الموسيقى والمسرح، كما عملت على تمويلها من خلال محصول تذاكر الدخول، والاشتراك أو المساهمة في دعم الميزانية.

 وبمجرد ما أن يخضع الزائر أو المتفرج والقارئ لهذه الشروط، فإنه يصبح “جمهوراً” يساهم في مناقشة الإنتاجات الثقافية، حيث إن عضويته هذه هي التي تخول له أن يبدي رأيه في ما يشاهده أو يسمعه. من هنا، أمكن للبورجوازية المتنورة أن تتعلم طريقة تقييم الإنتاج الفني، وأن تطور رأيها في موضوع أشكال التعبير الذي كان، من قبل، حكراً على الارستقراطية. وقد أدى ذلك فيما بعد إلى تأنْسُنِها بالاستعمال العام للتفكير الحر، حيث لم تعد تبدي الرأي فقط، بل صارت تطرح – موضوعاً للمناقشة والجدال – كلَّ مواصفات الثقافة التي تشبعت بها منذ قرون: الشيء الذي حوَّل أماكن الثقافة إلى فضاءات للنقاش حول الفنون والأدب والعلوم والسياسة، وإلى مجال لطرح شرعية السلطة السياسية القائمة وإمكانية زعزعتها.

وإذا كانت بورجوازية القرن التاسع عشر ستقوم بنفس الدور الذي قامت به الأرستقراطية في القرن السابق، وذلك من حيث هيمنتها على الحقل الثقافي والفني، فقد أشار “هبرماس” في الجزء الثاني من كتابه إلى انحسار ” المجال العام ” في المجتمع المعاصر، وإلى سيطرة الطبقة المثقفة، رغم أقليتها، على كل الحقول السياسية والثقافية والفنية والوسائطية، إذ وجد الشعبُ نفسه في مواجهة مع “ثقافة التمايز” لا يساير ظواهرها إلا من خلال صقل تكوينه التعليمي، وارتقاء ذائقته ليكون في مستوى النخبة المثقفة.

هذا، وبعد مرور عشرين سنة، قام “هابرماس” بمراجعة أطروحته عن “المجال العام”، ثم خلص إلى الاستنتاج التالي: وهو أنه بالإمكان أن يوجد في عصرنا مجال عام كالذي ساد في القرن الثامن عشر: أي فضاء فوران ثقافي من شأنه أن يغدو مكاناً لهيمنة الفنون الجماهيرية. إن هذا يعني في رأيه أن المجال العام البورجوازي ونموذجه الليبرالي قد فقد قيمته وأصبح مكاناً مفتوحاً يلتقي فيه جمهور من سكان المدينة للخوض في مناقشة حرة حول قضايا ذات مصلحة عامة. وبالتالي، فهم يقومون بوظيفة سياسية من خلال علاقة تفاعل ذاتي فيما بينهم، كما يكونون شريحة اجتماعية موحدة ومتواصلة تؤسس الرأي العام.

 ومع ذلك، فقد تعرضت نظرية هابرماس لبعض الانتقادات، ومنها على الخصوص الرأي القائل بأن “المجال العام” لا يمكن إطلاقا أن يشكل مكانا خالصا لمواجهة خطابات متناقضة ونقاشات عقلانية؛ بل هو أيضاً مكان لتمفصل هويات فردية وجماعية: أي بؤرة لإنتاج “الأنا” و”النحن”. وهذا ما يجعله يتخذ أشكالا متنوعة (مجال الفلاحين – مجال العمال – مجال القوميين – مجال الفوضويين – مجال الشواذ الخ …): الشيء الذي لم يقف عنده هابرماس.

ورغم هذه الانتقادات، يظل تصوره عن المجال العام صالحاً في نظر الدارسين. لأنه يؤسس نظرية لنقد المجتمع والممارسة السياسية، وطريقة حية لفهم الظواهر الديمقراطية. من هنا، فإذا كان ” المجال العام ” يعد بؤرة لصناعة الرأي العام، فإنه لا يساعدنا على التأكيد بأن عروض “مسرح الشارع” تصنع الرأي العام بقدر ما تنحصر غايتها في ممارسة فعل سياسي بالنسبة للعاملين في مجال هذا المسرح، وبالتالي في خلق علاقة بين طرفين: المسرح والسياسة.

المسرح: باعتباره تكريساً لجماليات درامية متعددة تكتسي طابعاً جماهيرياً، وتتحول إلى محاكمة اجتماعية مقصودة وملتزمة لها دلالتها.

السياسة: باعتبارها لقاء بين فضاء وتجمهر اجتماعي مقصود، أو باعتبارها تقاسماً بين فضاء مشترك ومسؤولية جماعية.

إن هذه الوضعية هي التي جعلت مسرح الشارع يستقطب جمهوراً غير متجانس يمكن أن يكون من أفراده عمالٌ، ومثقفون بيروقراطيون، وموظفون من القطاع الخاص، وممثلون للسلطة أو المؤسسة. وهذا يعني أنه لا وجود للهوية الطبقية، وأن ما يُوحّد هذا الجمهور هو “ديمقراطية الحضور” في مكان عمومي: أي في فضاء حضري يحرص منشطوه (أي الفرق المسرحية) على دفعه للمشاركة في العروض التي تتأرجح موضوعاتها بين الاحتجاج والنقد السياسي للحياة اليومية.

هذا، ومع أن مسرح الشارع قد تمكن من استقطاب جمهور كبير، كما وظف جماليات درامية جماهيرية جعلت المسرح يشتغل خارج القاعة الإيطالية، فإن بعض الدارسين في فرنسا أمثال برنار دورت B. Dort  يرون “أن العمل مع مجموعات صغيرة من الناس بإمكانها أن تمارس الاحتجاج من خلال تماسكها الاجتماعي، وأن تكون لها ردود فعل إيجابية تجاه سياسة الدولة ” ([4]). وهذا ما ستعمل على تحقيقه بعض الفرق المسرحية بعد أحداث مايو 1968 وذلك في كل من فرنسا وبلجيكا كما تبلور ذلك في ما عرف بمسرح الفعل أو المبادرة Th. d’action ou d’intervention الذي حاول خلق علاقات حميمية مع الشرائع الاجتماعية الفقيرة ومع الطبقة العمالية للتعبير عن احتجاجها ضد الانغلاق السياسي للسلطة، وفشلها على مستوى “دمقرطة الثقافة”، وعدم الاهتمام على الخصوص بالثقافة الشعبية والعمالية. وقد كان من أكبر ممثلي هذا المسرح في فرنسا “أرمان غاتي” الذي مارس في هذا الصدد “مسرحاً استعجالياً” قدَّم عروضه في الساحة العمومية وفي فضاءات “أﭭينيون”، ثم انتهى في الأخير بإدارة “مسرح احتجاجي” يدافع عن ثقافة الأقليات.

لهذا لم يكن الاحتجاج في المسرح بعد ثورة مايو 1968 يرتبط بقضايا اجتماعية فقط، بل كان يطرح أيضا قضية الثقافة وتمركزها المؤسساتي. وهذا ما دفع المسرحيين الشباب إلى الاحتجاج ضد عروض مهرجان أﭭينيون كما يحددها “جان ﭭيلار J. Vilar، وإلى تأسيس مهرجان داخل المهرجان الرسمي (Avignou/off) ساهم بقوة في دعم ما يسمى بمسرح الأداء Performance الذي يقوم على أساليب جديدة تحتفي بالجسد والحركة، وتتعامل مع فنون أخرى.

– مسرح المقهورين والاحتجاج الحقيقي 

إن الطابع الاحتجاجي لبعض المجموعات التي أشرنا إليها – بما في ذلك المسرح الراديكالي الأمريكي – لا يتجاوز حدود العمل مع جمهور كبير وتحويله إلى “مجموعة فاعلة” تساهم في العرض، وتنتهي من خلاله إلى الوعي بمشاكلها والشعور بهويتها الإقليمية أو بمفهوم المواطنة. لهذا يمكن القول بأن مسرح الاحتجاج الذي يستجيب لتصور “هابرماس” عن المجال العام هو مسرح المقهورين الذي ارتبط بـ”أوغستو بول” Augusto Boal الذي يرى ” أن المسرح هو سلاح يجب على الشعب استعماله. لهذا نجده يرفض سلبية الجمهور، ويحث على مشاركته في صناعة العمل المسرحي اعتماداً على الحدث اليومي وفي أماكن مثل المصانع، والقرى والثانويات، وكذا اعتماداً على أحداث ومواقف ملموسة يقترحها المشاركون الذين يمثلون، ويغيّرون حياتهم.

بتعبير آخر، إن تصور “هبرماس” عن المجال العام يشكل منطلقاً أساسياً لفهم الخطاب الديمقراطي الذي يقوم عليه مسرح المقهورين، وخصوصاً في صيغته المعروفة بمسرح المنتدى Théâtre Forum الذي يشكل فضاء “نقاش”. بل أكثر من ذلك، إنه فضاء مسرحي تتحول فيه الكلمات إلى أفعال للجسد. أما الأقوال، فإنها تجسد الحقيقة فقط، كما ترمي إلى الاعتراف بالشخص الذي يعمل على “مَسْرحتها”. من هنا، فإن القول هو فعل، حيث تكتسي الكلمات معناها الحقيقي، وتتضح الأفكار. أما اللغة، فإنها تحقق بعدها الجوهري في نطاق مواجهة تجعل الممثلين لا ينصاعون لاقتراحات الأعضاء الذين يكوّنون الجمهور، لأن الأمر لا يتعلق بتقديم الحجة والأدلة، بل وأيضا بالإنتاج وتجربة خصوبة الفكرة المحسوسة في فضاء مسرحي.

بعبارة واضحة، إن الفضاء الركحي لمسرح المقهورين ليس مجال نقاش وجدال بالمفهوم الهابرماسي، وإنما يستدعي كل ما يستدعيه فضاء المسرح. وبما أن العنصر الأساس في المسرح، كما يقول أوغستوبول، هو “الجسد الإنساني”، فإن ما يستدعيه مسرح المقهورين هو “الحضور”، أي حضور مجموعة بشرية تحاول أن تعيش كل لحظة في منتهى الحماس والشفافية. وهذا ما يؤكد على أن أول مبدإ لمسرح المقهورين هو مساعدة الجمهور “على أن يتحول إلى فاعل في حدث درامي، وإلى ذات ومبدع و مُغيّر”. بعبارة أخرى، يقوم الجمهور بتحويل المشهد المسرحي إلى ” مجال عام ” وإلى مكان إعادة تَمَلُّك ماضيه ومستقبله على الخصوص. أما المبدأ الثاني، فهو “عدم الاكتفاء بالتأمل حول الماضي، بل بالتمهيد للمستقبل”.

وهكذا، فإذا كان المجال العام لدى هبرماس هو وسيلة للوعي التاريخي بالذات، فإن الفعل، أو اتخاذ المبادرة غير وارد في نطاقه. ذلك أن الاهتمام القوي باللغة هو الذي يعمل على تقليص التزام الجسد والعلاقة بالتطبيق، إذ بمجرد ما يغادر المتفرج حلبة المجال، فإنه ينغمس في الفضاء المفتوح للحياة العامة. أما بالنسبة لأوغستوبول، فإن المجال العام هو موجه للفعل المستقبلي يدير الظهر لكل إرادة تطهيرية.

من هنا، فإن الأعمال التي يقدمها مسرح المقهورين تستمد مادتها من حكايات واقعية متجذرة في العيش اليومي للأفراد الذين يتعارفون فيما بينهم، ويشاركون في إعدادها تحت قيادة خبير، ثم يقدمونها بمعية الممثلين “للاحتجاج”، أي للتعبير عن مواقفهم من الحياة، وعن رؤيتهم للعالم، ولما يعترض طريقهم من مشاكل في علاقتهم بالنظام السياسي ([5]).

ومن ثم، فإذا كان مسرح المقهورين قد حقق حضوره في البرازيل أولا، ثم في بعض البلدان الأوروبية، فلأنه المكان الذي يسمح بممارسة بناء الاستقلال السياسي، والتعبير الجماعي عن الآلام التي تعانيها شرائح اجتماعية. وهذا ما يجعل منه عالماً يومياً في مواجهة عالم النظام: أي “عالم احتجاج” وانعتاق تتجسد فيه الهوية الشخصية، كما جعله يتميز عن الأشكال المسرحية الأخرى التي تحرص على أن يكون جمهورها شعبيا، أو عماليا، أو متعدد الطبقات تطالب بالديمقراطية الثقافية وبنظام سياسي عادل، مما جعل الأفكار الإنسانويه، التي تميز وظيفة المسرح، تفسح المجال لمفاهيم مثل: النضال السياسي والاحتجاج.

IIالاحتجاج في المسرح العربي   

بعد وقوفنا على بعض أشكال مسرح الاحتجاج في الغرب، علينا أن نطرح السؤال التالي: هل استطاع المسرح العربي أن يؤسس مسرحاً احتجاجيا، وأن يعد له صيغا تجعله في علاقة حميمة مع الجمهور؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تدفعنا إلى الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن المسرح العربي كان منذ بدايته “مسرحاً سياسياً”، ولكنه لم يعمل على ابتكار ممارسات خارج القاعة للتأكيد على جماهيريته، باستثناء الأعمال التي قدمتها بعض الفرق العربية في الهواء الطلق كما فعل الطيب الصديقي مثلا في المغرب. وإلا، فإنه كان علينا أن ننتظر حدث “الربيع العربي” لنقف على ظهور مسرح احتجاجي ارتبط بزمنه.

إن هذا يعني غياب حركة فنية في العالم العربي بإمكانها أن تضع في علاقة مباشرة المسرح والسياسة الثقافية التي تسعى إلى تحقيق أبعادها الفرق المسرحية في الغرب. وكما هو معلوم، فإن لهذا الغياب عدة أسباب يمكن حصر أهمها فيما يلي:

– اختلال الأوضاع السياسية والاجتماعية في معظم البلدان العربية الناتج عن غياب أصول الديمقراطية في كل المجالات.

– عدم تهيئة المناخ المناسب لخلق ثقافة مسرحية تتوافق مع الأهداف الرئيسة لنظام التعليم وبرامجه، والعمل على توظيفها أداة لتكوين ذائقة الجمهور ودفعه إلى الاستئناس بأشكال المسرح وأساليبه، وذلك باعتباره فنا اجتماعياً.

– هيمنة المؤسسة البيروقراطية على الإنتاج المسرحي في العديد من الدول العربية، والوصاية عليه ومراقبته: مما جعل هذا الإنتاج يتحول في الغالب إلى مجرد نشاط “موسمي” لا يساهم في دعم الحركة المسرحية، و لا في خلق تفاعل ثقافي بين المسرحيين والجمهور الذي استلبه جهاز التليفزيون بما يوفره له من منوعات وبرامج ترفيهية، لا تهدف إلى إنتاج وعي ثقافي برسالة الفن الدرامي، أو بوظيفته الحقيقية التي تنحصر في معالجة القضايا الإنسانية، والتأكيد على الهوية، والمواطنة، والشعور بالذات ومعرفة الآخر.

إن هذه الأسباب، وغيرها كثير، هي التي عرقلت مسيرة المسرح العربي وحالت دون تحقيق جماهيريته. ومع ذلك، فقد حقق وجوده خلال قرن ونصف، واستطاع أن يختزل المحطات الزمنية التي مرَّ بها المسرح الغربي وذلك عبر فيض من التجارب الفنية تتأرجح بين ما هو مسرح تقليدي، وما هو مسرح طليعي تجريبي وصولا إلى مسرح ما بعد الدراما. ويرجع الفضل في ذلك إلى صانعيه من الرواد والشباب الذين حرصوا على تنويع وإثراء إنتاجيته رغم ما اعترض طريقهم من عوائق مادية ومعنوية.

من هنا، فإذا كان هذا المسرح لم يحقق علاقة عضوية مباشرة ودائمة مع الجمهور، فإن تأثيره على الواقع الاجتماعي والسياسي سيتجلى في خطابه الايديلوجي الذي يمكن اعتباره “خطابا احتجاجيا” رغم أنه لم يشارك فعلياً في العديد من الانتفاضات الجماهيرية التي عاشتها بعض الدول العربية كمصر (أحداث يناير 1977) وتونس (ثورة الخبز 2 يناير 1984) والمغرب (انتفاضة 23 مارس 1965 – انتفاضات 1980 1981 – 1990).

وإذا كانت هذه الانتفاضات العربية وغيرها قد عبرت عن غضب الشعب واحتجاجه ضد الفقر، والتهميش، والمحسوبية، وخنق الحرية الديمقراطية والمطالبة بتغيير الأوضاع، فإنها قد انتهت، في الغالب، بالرصاص وإراقة الدماء مما جعلها محدودة الزمن لا تتجاوز أحداثها يومين أو ثلاثة. وهذا ما أدى إلى غياب الفن المسرحي عن ساحتها وعدم مواكبتها مباشرة.

مسرح التراث والاحتجاج 

لكننا نعرف أن خطاب المسرح الاحتجاجي قد تبلورت معالمه منذ بداية السبعينيات، وذلك من خلال تيار مسرحي تنويري وقف في مواجهة الثقافة المسرحية الاستهلاكية التي تدعمها المحافل الرسمية (وزارات الثقافة – المؤسسات التجارية) وكان يسعى إلى محاكمة الأوضاع السياسية، وإلى بلورة خفايا الإنسان المقهور وبؤس عالمه بما يعكسه من حالات ومواقف درامية.وهكذا ظهر احتجاج فكري انعكس في التجارب المسرحية التي سادت في معظم البلدان العربية، والتي لجأت إلى إحياء الأشكال الفرجوية العربية التراثية من أجل توظيفها في الأعمال المسرحية باعتبارها أداة لتحقيق التواصل مع الجمهور، وإقحامه في صلب القضايا السياسية الراهنة عن طريق معالجة موضوعات تستحضر أبطال التاريخ العربي القديم، أو نماذج من أعلام الفكر، ثم تربط حياتهم بالحاضر المعيش”: الشيء الذي يدفع المتفرجين إلى التسلح بوعي احتجاجي يساعدهم على الأقل على التطابق مع ذواتهم، وعلى إدراك فداحة الأوضاع التي يعيشونها: وهذا ما يقودنا إلى التأكيد على أن الأعمال الدرامية التي تعتمد التراث تعد “مرجعاً ثقافياً وسياسياً” يتواصل مع العصر ومع الجمهور.

لقد اتخذ هذا المسرح عدة أشكال بدء بمسرح السامر المنتشر في الأرياف المصرية، مروراً بمسرح التسييس الذي ارتبط “بسعد الله ونوس”، وصولا إلى المسرح الذي دعمته النظرية كالاحتفالية وغيرها من التيارات الفنية التي تراعي معادلة “الأصالة والمعاصرة”. إضافة إلى ذلك، فقد اعتمد مسرح التراث العديد من التقنيات كالحلقة، والارتجال والمسرح داخل المسرح، والسرد، والرقص، والغناء، والصورة، والسخرية، والغروتيسك، ومواصفات المسرح الملحمي البرشتي الخ. ومع ذلك فإنه لم يتمكن من تأسيس تقليد مسرحي جماهيري منفتح على طبقة عمالية أو على مجموعات يوحدها حوار ديمقراطي في نطاق مجال عام كما تصوره هابرماس. وهذا يعني أنه ظل مجرد مسرح سياسي لا يهتم بالفوارق الطبقية، بقدر ما يسعى إلى التواصل مع الجمهور وأداء رسالته التنويرية.

تجربة اشتغال المسرح العربي مع جمهور قار

وللتذكير، فقد حاول المسرحي المغربي “الطيب الصديقي” في نهاية الخمسينات الاشتغال مع الطبقة الكادحة وذلك عندما أسس “المسرح العمالي”. لكن هذه المحاولة لم تعمر أكثر من سنتين لأن هدفها لم يكن تحريضيا أو احتجاجيا، بل كانت ذات بعد ثقافي ترفيهي في المقام الأول، لا ينسجم برنامجها المسرحي مع المستوى الثقافي للعمال الذين كانوا أميين في الغالب قدموا من البوادي للعمل في الدار البيضاء.

في مقابل ذلك، استطاع المسرحي الجزائري “كاتب ياسين” أن يوظف إنتاجه لخدمة الثقافة العمالية حيث قدم سنة 1974 مسرحية “حرب الألفين سنة La guerre de deux mille ans في المصانع، والمسارح، والفضاءات العمومية. وقد اعتمد في هذه المسرحية – التي ترصد تاريخ الجزائر – أسلوباً فنيا يرتكز على مشاهد قصيرة، وصور مبسطة لتحقيق تواصل قوي مع الجمهور دون أن يتنازل عن شعريته الفذة في الكتابة الدرامية.

 وفي نفس الخط، يمكن الإشارة إلى “روجيه عساف” الذي أسس “مسرح الحكواتي” في بداية السبعينات لخوض تجربة سياسية واجتماعية عن طريق التعامل مع جمهور قروي في جنوب لبنان والمخيمات الفلسطينية. لكن أعماله القائمة على الإنتاج الجماعي مع ممثلي فرقته (مثلا: حكايات 1936 – أيام الخيام) لم تتجاوز حدود الإلحاح على ضرورة التمسك بالهوية العربية لمواجهة العدو الإسرائيلي، والإشادة بالمقاومة الفلسطينية. ثم انتقل بعد ذلك إلى ممارسة مسرح سياسي تقدم عروضه في القاعة، ويعالج موضوعات مثل الحرب وذلك عبر خطاب ذهني يفلسف الأحداث، ويعمل على شحنها برموز إنسانية مثلا مسرحية “بوابة فاطمة”.

وفي اتجاه آخر، عرف المسرح العربي عدة تجارب خلال الثمانينات – وخصوصا في مصر – حاولت التوجه مباشرة إلى الجمهور سواء في المدن أو القرى . من هذه التجارب “مسرح الكابريه” السياسي، والمسرح المستقل الذي أطرته مجموعة من الشباب، وتميز بخصوبة إنتاجه وخصوصا بطابعه الاحتجاجي الذي انعكس في معالجة موضوعات مثل سلطة الدين، والفساد الإداري وتزوير الانتخابات. والملاحظ أنه (أي المسرح المستقل) تفرع إلى عدة أشكال مسرحية نذكر منها “مسرح الجريدة”، “المسرح السردي”، “المسرح الجسدي”، “المسرح النسوي”، “الكوميديادي لارتي”، “المسرح الافتراضي التكنلوجي”. وأخيراً “مسرح المقهورين” الذي تشرف على تأطيره وتنشيطه الدكتورة نورا أمين التي تؤكد لنا أنها “أمضت عامين في إخراج وإنتاج أعمال مسرحية تحث على التمرد. لكنها لا تقدم خارج العلبة المسرحية… على أن ثورة الربيع العربي قد حفزتها على العمل في الشارع مما جعل مسرح المقهورين في مصر يضم اليوم قرابة 350 ناشطا. ومن المتوقع أن يصل العدد مع نهاية عام 2012 إلى ألفي فرد” ([6]).

*

*     *

الر بيع العربي والاحتجاج

من الممكن أن كل هذه الفرق قد مارست، أو ما تزال تمارس، مسرحاً مغايراً وذلك في علاقة تبادلية بين الفاعلين والجمهور، وأن هدفها هو الاحتجاج ضد كل ما هو سياسة فاشلة ومخربة لمصالح المجتمع ولحقوقه. بيد أن هذا الاحتجاج يظل حبيس القاعة مع أنه يلجأ إلى توظيف تقنيات تواصلية مع الجمهور مثل السرد، والحكاية، والأشكال الفرجوية الشعبية، والملحمية البرشتية، والفنون السمعية/البصرية الخ.

لهذا يمكن القول بأن الاحتجاج في المسرح العربي لم يتجاوز حدود تحسيس الجمهور العربي بقضاياه ومشاكله اليومية داخل قاعة المسرح، لا باعتباره مجموعة نساعدها – كما يقول  أغوستوبول– ” على التحول إلى مؤدٍّ لفعل درامي، وإلى ذات مبدعة وأداة للتغيير”. إن هذا التحول هو الذي سيتزامن مع ثورات الربيع العربي. وخير دليل على ذلك ما عرفه ميدان التحرير في القاهرة من احتجاج خلال ثورة 25 يناير 2011 ضد فساد النظام وهشاشة سياسته التي أدت إلى تفقير الشعب، وسد أفق العيش الكريم أمامه بعد أن استولى على خيراته حكام البلد. وكما يشير إلى ذلك الدكتور محمد سمير الخطيب، فقد “تحول هذا المكان إلى فضاء اجتماعي وثقافي يفكك علامات النظام في المدينة، وتنشط فيه المعايير والقيم الاجتماعية والثقافية كالحرية ومكافحة القهر (…) كما تحول إلى عتبة باب لإسقاط النظام السياسي ” ([7]).

إن هذا يعني أنه أصبح ” مجالا عاما ” لاَ من منظور ” هابرماس “، وإنما من منظور بعض من انتقدوا أطروحته، حيث تؤكد لنا الباحثة الفرنسية أرلت فارج A. Farge أن ” المجال العام لا يتكون فقط من البورجوازية أو من نخب اجتماعية مثقفة، بل وأيضا من كل طبقات الشعب التي تضع بنفسها حرية الرأي والسلطة الشعبية ” ([8]). وهذا ينسحب على جمهور ميدان التحرير الذي أبدع فرجات تنتقد النظام من خلال أشكالها الفنية التي تقوم على النقاش المباشر بين جمهور الميدان وعلى السرد الشفوي للأحداث، والارتجال، والتنكيت والرسوم الجدارية، والكاريكاتور، والعروض التي قدمتها بعض الفرق إما في الساحة أو القاعة.

خلاصــة

على أن ما يجب مراعاته هو أن الربيع العربي لم يكن مجرد “حدث” عابر بالنسبة للمسرح العربي انحصر أثره في إنتاج أعمال درامية تقوم على الاحتجاج والمطالبة بالتغيير، بل ساهم بشكل فعال في تغيير مساره في العديد من البلدان العربية، حيث ساعد المسرحيين الشباب على تحقيق قطيعة مع فرجة الاستهلاك والترفيه المجاني، وكذا مع العروض الفنية التي ترتكز على النصوص الأدبية. وفي مقابل ذاك، شكل هذا الربيع منطلقاً لابتكار فرجات جديدة كما نلاحظ ذلك في بعض الأعمال المغربية التي أنجتها فرق الحساسية الجديدة (مثل دبا طياطر، ودها وسا). وغيرها من الفرق التي تسعى إلى تبليغ خطاب احتجاجي للجمهور.

بتعبير آخر، لقد أدى هذا التوجه المسرحي ما بعد الربيع العربي في المغرب إلى خلق دينامية ثقافية متحررة من كل الطابوهات كما ينعكس ذلك في مسرحية “حسن لكليشي”، التي أعدها ” حمزة بولعز ” عن نص لجواد السنني، ثم قدمها بأسلوب فني يعتمد السرد ولغة الجسد، وكذا الصور الساخرة المحملة بدلالات واضحة تؤشر إلى صفحات من تاريخ المغرب انطلاقاً من المسيرة الخضراء.

إضافة إلى ذلك، تحول مسرح الهواة (بصيغته الاحترافية الجديدة) – وبعد أن كان دوما مسرح نضال – إلى منبر ثقافي يتعامل مع الواقع الجديد، ويتشبث بمبدأ تعميق تجربته وصقلها اعتماداً على معادلة الأصالة والمعاصرة. في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى مسرحية ” حادة والزرموميات ” التي ألفها وقام بإخراجها الفنان ” عبد القادر عبابو “، حيث نقف فيها على قصة امرأة، وعلى صور نضالها واحتجاجها ضد الفساد والمفسدين من خلال تركيبة فنية توازي بين مستويين: مستوى الفرجة التراثية بما تستحضره من حكي ولعب (هارون الرشيد مع جاريته) ومستوى الطرح الفكري لحياة ” حادة ” المليئة بالتعاسة والأحلام.

باختصار، يمكن القول بأن ” الاحتجاج ” كان وما يزال أسلوبا في الممارسة المسرحية العربية يقدم رؤية فنية عن عالم الإنسان العربي، ويسائل تاريخه، كما يسمى القهر والمقهورين. لكن إنجازاته تظل في الغالب حبيسة القاعة رغم أن أغلبها ينتمي إلى مسرح الأداء Théâtre de Performance أو إلى مسرح ما “بعد الدراما” كما هو الشأن في المغرب حيث تسود حرية التعبير، ومبادئ الديمقراطية التي ناضل الفنانون من أجلها لتكون منطلق تعاملهم مع الجمهور. لكن هذا التعامل يقتضي إعادة النظر إلى أماكن العرض أي إلى العمل في فضاءات خارجية، لأن المسرح داخل القاعة لا يمكن أن يتوجه إلى مجتمع بأكمله أو إلى جمهور هو في أشد الحاجة إليه. بل يجب ممارسته أيضا في فضاءات عامة ليكون أداة تثقيف، وتماسك اجتماعي، وترسيخ للهوية الفردية والجماعية.    

[1] – J. Duvigaud : Le théâtre, et après – ed, Casterman – Paris 1971 – p 38.

[2] – التصورية: Conceptualisme مذهب يقرر أن الكليات لا مقابل لها في الخارج من حيث هي كذلك، وأنها تركيبات من صنع الفن.

[3] – أنظر دراستنا لهذه المسرحية وللفرقة في كتابنا ” المسرح والارتجال ” – عيون المقالات – الدار البيضاء – 1992.

[4] – Bernard Dort : Le Théâtre de masse , in le lieu théâtral dans la société moderne – Paris – ed, du C N R S – 1963, p 60.

[5] – اعتمدنا في حديثنا عن : ” المجال العام ” على مرجعيين :

– J. Habermas : L’Espace public – ed, Payot – Paris 1993.

– Pierre Lenel : Les Espaces publics du théâtre de l’opprimé – Paris – Lise – C N R S.

[6] – نورا أمين: تجربة أوغستوبول في المشهد المسرحي المصري، ندوة المسرح والتغيير، ملتقى الشارقة التاسع للمسرح العربي 1-4 يناير 2012.

[7] – د. محمد سمير الخطيب: مسرح ثورة وثورة في مسرح – مؤسسة شباب الفنانين المستقلين – القاهرة، ط 1- شتنبر 2012، ص 31.

[8]  – Arlette Farge : Dire et mal dire.

شاهد أيضاً

المفكرة الألمانية إيريكا فيشر تتحدث عن فرجات الشارع بوصفها فضاء زمانيا عصيا المحاضرة الافتتاحية الأولي للدورة السادسة عشر من طنجة المشهدية

قدمت المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليتشه المحاضرة الافتتاحية الأولى لفعاليات الندوة الدولية طنجة المشهدية في …

محمد العناز : با حسن هو الروح التي يمكنها أن تأسرك بصمتها الخجول كلمة المركز الدولي لدراسات الفرجة في حق فقيد النقد المسرحي الدكتور حسن المنيعي

ضمن فقرات الجلسة الافتتاحية لمهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية في دورتها السادسة عشر (دورة فرجات …

انطلاق فعاليات الندوة الدولية “فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية

انطلقت مساء أمس فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية بالجامعة الأمريكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *