فُرجات الشارع فضاءً زمانيا عصيا إيريكا فيشر

ترجمة محسن الزكري

(باحث ومترجم – المغرب)

في عديد من المدن، طالما اتُّخذت الشوارع والفضاءات العامة الأخرى مواقع فرجة بارزة، وبخاصة خلال أوقات معينة من العام تَسِمُ المناسبات الخاصة. كان هذا صحيحا بغض النظر عما إذا كانت المباني قد انتصبت لاحتضان عروض أخرى موازية، مثل مباني المسرح والمسارح في الهواء الطلق والساحات وغيرها. ويؤدي هذا إلى التساؤل عن سبب اختيار مكان معين فضاءً للفرجة وعن نوع التحول الذي طاله. وعلى سبيل التقديم لموضوع محاضرتنا هذه، سأناقش ثلاثة أمثلة مختلفة للغاية من تاريخ المسرح الأوروبي – أولها مسرحيات الأسرار mystery plays في العصور الوسطى؛ ثانياً، العروض الجماهيرية التي قُدِّمت بعد الثورة الروسية في أوائل القرن العشرين، وأخيرًا، عرض معاصر واحد.

يشير المثال الأول إلى مسرحية آلام المسيح الألمانية في القرنين الخامس والسادس عشر. أقيمت العروض حول عيد الفصح في ساحة السوق، المكان الذي تتكشف فيه الحياة اليومية، وعادة ما تستمر لأيام عديدة. يمكن أن يمتد اليوم الأول من الخليقة (أو ولادة يسوع) إلى عيد الشكر، في حين غطى اليوم الثاني هذا العيد، وأسْرِ يسوع أمام حنان Annas وقيافا Caiaphas وبيلاطس Pilate، وخُصِّص اليوم الثالث لآلام المسيح وانتهى بدفنه، بينما احتفل اليوم الرابع والأخير بالقيامة والنزول إلى الجحيم وشمِل معراج المسيح أو حتى نزول الروح القدس. كانت هذه العروض، عادة، تستدعي من 100 إلى 300 رجل للأداء – بينما لم تُستدع النساء. لقد جاءوا من جميع الطبقات الاجتماعية في بلدة معينة – الحرفيون والبرجوازيون والنبلاء الأرستقراطيون ورجال الدين من مختلف الوضعيات، حتى أدوار الشياطين كان يؤديها مواطنون شرفاء.

أقيمت العروض في ساحة السوق؛ جُعِل أحد أطرافه جنة، والآخر جحيما. هذا هو المكان الذي تدور فيه المعركة بين الخير والشر، بين يسوع المسيح والشيطان. أشارت كل حركة عبر الفضاء بوضوح إلى نقطة حرجة في كفاحهم. عندما فتح يسوع باب الجحيم بركلة، وحرر النفوس الملعونة وقادها عبر الساحة إلى عرش الرب، فإن فريقها قد حقق انتصارا مجيدا. ومع ذلك، عندما تغادر الشياطين الجحيم وتنتشر حتى حول تلك الأجزاء التي يتجمع فيها المتفرجون من أجل إعادة ملء الجحيم بما يكفي من المذنبين، يسجل الشر بعض النقاط.

بالنسبة إلينا فإن الأهمية الخاصة تكمن في العلاقة بين المؤدين والمتفرجين. ونظرا إلى عدم وجود ممثلين محترفين؛ إذ يمكن أن يكون المتفرجون هم الممثلين في اليوم الموالي، فمن المحتمل أن تكون مصطلحات المؤدّي والمتفرج في هذا السياق قابلة لأن يحل أحدهما محل الآخر في تحديد الأدوار التي تم القيام بها لفترة زمنية معينة. ويترتب على ذلك أن موقف التقييم الجمالي قد تم إنكاره على نحو صريح. اجتمع المتفرجون والمؤدون في “خدمة الرب”. بدأ العرض بصلوات وترانيم مشتركة وانتهى بالترنيمة الأخيرة “قيام المسيح “. لذلك كان من المفترض أن يكون تأثير الأداء هو نفسه بالنسبة إلى المؤدين والمتفرجين على حد سواء. كانت المشاركة تعدُّ “عملا صالحا” حتى من لدن الكنيسة، مما أدى إلى منح الغفران. إن غفرانا كهذا يمكن أن يساوي كفارة من قضاء أربعين يومًا على الماء والخبز – وهي عقوبة الكنيسة التي تسمى الرباعية (تدل على 40 يومًا) – إلى سبع سنوات وسبع عقوبات رباعية كما في لوسيرن Lucerne عام 1556، بل وحتى 240 عامًا في كالو Calw عام 1502.

 لم يكن هذا ممكنا فقط لأن المسرحية لم تحدث ببساطة في مدينة ما– مثل ألسفيلد Alsfeld أو لوسرن Lucerne أو كلاو Calw – بل لأنه عبر الفرجة performance حوِّل المكان إلى مدينة أورشليم المقدسة.

فمن ناحية، كان أداء حياة يسوع في ساحة السوق قائمًا على فرضية أن الساحة تحولت إلى مدينة أورشليم المقدسة، حيث وقع موت المسيح ونزوله إلى الجحيم والقيامة والصعود إلى الجنة وتَحَقَّقَ خلاصُ البشرية. ومن ناحية أخرى، وعبر المشاركة في الحدث مؤدّينَ أو متفرِّجينَ، طُهرِّ سكان المدينة من خطاياهم إلى درجة لا نظير لها. كان هذا ممكنا فقط لأن المدينة لم تَعُدْ مجرد مدينة عادية، بل تحولت إلى قُدْسٍ طوال مدة العرض. لقد حدث هذا كنوع من العمل السحري الذي، ربما، اعتمد على الإيمان السحري وممارسة الثقافة الشعبية أكثر من الاعتماد على القراءة الدقيقة للكتاب المقدس. في ظل هذا الشرط، كانت المشاركة تعمل مثل السر المقدس وتخدِم الغرض نفسه.

أمكن هذا لأن المعركة بين يسوع والشيطان، بين الخير والشر، حددت خلاص كل الحاضرين. وهذا يعني أن ساحة السوق لم تصبح مدينة أورشليم المقدسة فحسب، بل تحولت في الوقت نفسه إلى ساحة معركة الأيام الأخيرة قبل البعث التي تحدد مستقبل البشرية.

المثال التالي هو العرض الجماهيري الذي يحمل عنوان اقتحام قصر الشتاء The Storming of the Winter Palace. وقد أقيم في ساحة القصر مقابل القصر الشتوي في سان بطرسبرغ St. Petersburg ، الذي أعيدت تسميته بتروغراد Petrograd؛ مساء يوم 8 نوفمبر من سنة  1920 على الساعة العاشرة مساء، وكان العرض من إخراج نيكولاي إيفرينوف  Nikoaj Evreinov.

جرت معظم المشاهد الجماهيرية التي أعقبت الثورة في الأماكن العامة، والتي كانت “محظورة” قبلها. في السابق، كان أي نوع من التجمعات، حتى ولو كان لمجموعات صغيرة، ناهيك عن المظاهرات، ممنوعًا على نحو صارم. الآن، احتلت الأعمال الثورية المساحات العامة للجماهير البروليتارية – الفلاحين والعمال. بطريقة ما، أعاد كل مهرجان تمثيل هذا النصر عندما سيطر المؤدون والمتفرجون على مساحة عامة، وشغلوها على أكمل وجه ممكن. إن احتلال فضاء عام يشير إلى بلوغ السلطة؛ إلى كون المرء صار يحكم نفسه بنفسه.

هذا صحيح على نحو معيَّن فيما يتعلق بساحة القصر أمام قصر الشتاء. قبل “الأحد الدامي” في عام 1905، كانت مكانًا محظورًا، حيث المظاهرات السياسية لا يمكن التفكير فيها. في “الأحد الدامي”، في هذا الموقع بالذات كان متظاهرون سلميون يحملون أيقونات موكب القيصر وصوره، برئاسة القس بريست جابون Priest Gapon، فقُتلِوا بوحشية وسُفكت دماء مئات الأشخاص. كانت حجارة هذا الموقع وأرضه غارقتين في دماء المتظاهرين القتلى. منذ تلك النقطة فصاعدًا، أصبح يُنظر إلى الميدان على أنه “مكان مقدس” حيث ضحت الجماهير البروليتارية بدمائها من أجل القضية المشتركة لمستقبل أفضل. من ناحية أخرى، عُدّ قصر الشتاء “مجلس الأسلاف القديم نفسه، عش الأسرار والجرائم، مهد اللعنات القديمة، مثل واجهة القصر الثابتة على المسرح اليوناني ” (Piotrovsky 1919: 2). حُوِّل هذا القصر في نهاية المطاف من خلال “الاقتحام” الذي حدث في 7 نوفمبر 1917 (25 أكتوبر وفقًا للتقويم القديم) إلى “مبنى مُجَلّل بالتاريخ” (Piotrovsky 1926: 78)، وهو اقتحام لم يطح بالاستبداد، ولكنه قلب ثورة فبراير بقيادة كيرينسكي Kerensky والمناشفة  Mensheviks.

يبدو أن أداء اقتحام القصر الشتوي في هذا المكان بالذات، في الذكرى السنوية للحدث الأصلي – أي في التسلسل والحدود الزمينة نفسيهما – واستعادة تمثيله يوفران ظروفًا مثالية تقريبًا للسماح بدمج المسرح والطقوس في عرض واحد. ما حدث هنا كان، في الواقع، خلق أسطورة عن الأصل، أسطورة الثورة. الفرجة تتبع هذه الخطاطة الأسطورية، تبدأ على الساعة 10.00 مساء في الظلام – حيث أطفئت أنوار قصر الشتاء – وتنتهي بعد ذلك بساعة وخمس عشرة دقيقة بعرض الألعاب النارية للنجوم الحمراء في سماء الليل وانفجارات الضوء. أضواء كشافات السفينة الحربية “أورورا” Aurora التي كانت راسية على نهر نيفا Neva  خلف القصر كما كانت قبل ثلاث سنوات خلَتْ ، تضيء المبنى من الخلف، بحيث بدا وكأنه شفاف، يذوب في الضوء. ثم أضاءت الكشافات الميدان ووُجّهت إلى مكان علوي من القصر حيث رفعت لافتة حمراء ضخمة غُمرت الآن بالضوء ولمعت أضواء حمراء في نوافذ القصر. مع نجاح الثورة، هَزَمَ النُّورُ الظلامَ، وكان كلُّ مشارك يعيش ذلك على نحو فيزيقي.

 نصبت منصتان أمام واجهة مقر الأركان العامة أَغْلقتا الساحة من جانب واحد، ومقابل قصر الشتاء توجد خشبة بيضاء وأخرى حمراء. قُسِّمت الخشبتان كلتاهما إلى منصات بمستويات مختلفة.

في بداية العرض، شُغِّل 150 كشافًا مثبَّتا على أسطح المباني المحيطة، مما أدى إلى إنارة المؤدين على الخشبة البيضاء:

 على الخشبة البيضاء كانت الشخصيات الرئيسة هي كيرينسكي Kerensky، والحكومة المؤقتة، وكبار المسؤولين والممولين المهمين للنظام القديم، وكتيبة النساء، وملاك الأراضي، والمصرفيين والتجار، والمقاتلين من الجبهة، المعاقين والمقعدين، الرجال والنساء المتحمسين المستعدين للمساومة […]. أظهر أول ضوء سقط عليهم انتصارهم في صورة كاريكاتورية. ظهر كيرينسكي Kerensky  أمام الحشد المنتظر مرفوقا [بنشيد] “مارسيليا” Marseillaise  الذي أعيد ترتيبه على نحو بولوني. الممثل الذي يلعب دوره يقلد حركات رئيس الوزراء السابق ويقف مرتديا زيه الكاكي لافتا الانتباه. (ibid.)

 من الخشبة الحمراء المظلمة، يمكن سماع همسات غير واضحة؛ في غضون ذلك، على الخشبة البيضاء، اتُّخذ القرار بمواصلة الحرب. الآن تحول ضوء الكشاف إلى المرحلة الحمراء، كاشفا العمال، والنساء، والأطفال، والمقعدين الذين يخرجون من المصانع مرهقين. انجر الجنود المشوهون إلى الجسر بسبب الحاجة إلى قوات جديدة.

بدت الأحداث على الخشبة الحمراء أكثر “عفوية”. كانت الجماهير في البداية رمادية وصلبة وغير منظمة، ومع ذلك ازدادت نشاطًا وكانت أفضل تنظيما وأشدّ قوة. لقد تعرضت الجماهير للدفع من لدن “الميليشيا”  إلى أن تحولت إلى الحرس الأحمر من خلال الرايات الحمراء المشتعلة. (ibid.)

 وبهذه الطريقة، راوح الفعل بين الخشبتين البيضاء والحمراء إلى أن انطلق مرتادو هذه الأخيرة إلى معركة مع مؤدي الخشبة الأولى. ونتيجة لانتصار الحمر، انهارت المنصة التي جلس فيها وزراء الدولة. ثم انطلقت سيارتان إلى سلّم المنصة البيضاء واختفى المستشارون وكيرينسكي، الذين نزلوا من المنصة بقفزة مميتة، وكانت سيارتهم تتسابق عبر الممر وبوابات قصر الشتاء. منذ ذلك الحين، أصبح قصر الشتاء “مسرح” الأحداث الرئيس.

كان هناك 2685 مؤديا على الخشبة البيضاء، بما في ذلك 125 راقص باليه و100 لاعب سيرك و1750 كومبارس. من بين هؤلاء، كان 600 ممن يضعون مكياجا – أولئك الذين لعبوا دور السياسيين أو المصرفيين أو أصحاب المصانع أو الأراضي وغير ذلك، وحاشيتهم. أدى ممثلون محترفون وفنانو سيرك دور كيرينسكي Kerensky ومستشاريه. كان أسلوب التمثيل في هذه المرحلة يشبه المهزلة والتهريجية. فيما يتعلق بالأحداث الجارية هنا، فإنها تضمن الاهتمام الوثيق للجمهور. كانت الخشبة الحمراء مليئة بالمزيد من المؤدين. وكان من بينهم عدد كبير من الأشخاص الذين شاركوا في الاقتحام الحقيقي لقصر الشتاء قبل ثلاث سنوات. ارتدى هؤلاء المؤدون ملابس من الحياة اليومية دون مكياج. لقد تصرفوا بأسلوب بطولي. عندما بدأوا في تنسيق ومزامنة حركاتهم وإيماءاتهم، بدأوا تدريجياً في تنظيم أنفسهم. هنا، لم يبرز أحد المؤدين على حساب الآخرين، مما جذب انتباه المتفرجين إلى أدائهم الفردي – كما كان الحال مع الممثلين المحترفين على الخشبة البيضاء. كانت هذه نتيجة متعمدة لإرشادات إيفرينوف  Evreinov:  

لقد انتهى عصر الدور الهامشي، قد تكونُ أكثر أهمية من هؤلاء الممثلين من المدرسة القديمة. إنك جزء من الممثل الجماعي. من خلال شكل واتساع ما جربتَه، من خلال ما عانيتَ منه، ظهر تأثير جديد لحبكة جديدة.             (cited O.A. 1920: 2)

يؤكد الكُراس على أن الإنتاج لن يضع في الصدارة “فنانين مكرسين”، بل “ممثلا جماعيا، موهوبا في فنه (O.A. 1968: 272). ” حتى إن هناك ذكرا لـ “ممثل ضخم” أسطوري هو “حامل الأشكال المسرحية الهائلة الجديدة. وبدعم من إيقاع الحركة الجماهيرية، لم يعد يتبع أي حِساب يمكن القيام به؛ إن مقداره قد صُهر بالفعل في قيمة جديدة وانسكب مثل أي ممثل فردي بوصفه مصدرا للأشكال التعبيرية الجديدة (Shubsky 1920: 5).

إن التناقض بين الخشبتين وأساليب العمل الخاصة بهما يُذكر بالمعارضة بين المهرج المحض  والاحتفال الذي طوره إيفرينوف Evreinov  في إنتاجاته لمسرحيات الأسرار الوسطوية قبل الحرب. وكما تم وصفه من قبل، يظهر مشهد واحد بشكل بارز في هذه المسرحيات؛ إنه نزول المسيح إلى الجحيم لتحرير النفوس المعذبة. بينما في إنتاج إيفرينوف Evreinov ، استخدمت الشياطين مهرجًا محضا، اتسم المسيح والأرواح المعذبة التي تتوق إلى المخلص بأسلوب هو بالأحرى احتفالي. كان نزول المسيح إلى الجحيم أيضًا موضوعا شائعا جدا في الأيقونات الأرثوذكسية. بالنسبة إلى العديد من المتفرجين، من الممكن أن تذكرنا المشاهد التي تشكل الجزء الأول بنزول المسيح إلى الجحيم الذي يسبق القيامة. ربما كان المتفرجون قد وازوا بين الشياطين والمؤدين على الخشبة البيضاء، وخاصة أولئك الذين يضعون المكياج؛ كان العمال والجنود والنساء والأطفال على الخشبة الحمراء يشبهون النفوس المعذبة. ومثلما هو الحال في مسرحية الأسرار حيث صرخ الحشد من أجل يسوع لتحريرهم، نادى الناس في الساحة لينين: [صوت] “الأممية ”  برز وصرخ بخجل: ” لينين! لينين! ” وانتفض [الصوت] من بين الحشد فوق الموسيقى، في البداية منفردا، ثم عبْر مائة من الأصوات (Evreinov 1920: 279) . ظهر رجل يرتدي معطفا وقبعة على منصة مرتفعة، تحولت كل العيون نحوه كما لو كانت تحت تأثير تعويذة، واستدعى العمالَ إلى الثورة المسلحة.

هذا بالفعل يمثل فرقا كبيرا؛ بينما يفتح المسيح، في الأساطير المسيحية، أبواب الجحيم ويحرر الأرواح الأسيرة، هنا، يدعو لينين الجماهير إلى تحرير أنفسهم، دون أن يكون زعيما لهم مباشرة أو يضحي بنفسه.

عندما بدأ الهجوم على قصر الشتاء، “كان المتفرجون مكهربين؛ كان الناس على وشك كسر الحواجز في أية لحظة واقتحامها بالسيارات وجحافل الجنود من أجل تشتيت حشد كيرينسكي Kerensky البغيض ورباطة جأشه (ibid.). ومع ذلك، لم تحدث هذه اللحظة حتى نهاية العرض عندما هرب كيرينسكي Kerensky وأطلقت سفينة “أورورا”، التي قصفت قصر الشتاء في عام 1917، مدافعها؛ أي ليس قبل انتهاء العاصفة. وانضم المتفرجون إلى المؤدين للاحتفال بالثورة. في هذه المرحلة، أضاءت الكشافات المنبعثة من أورورا ومن ساحة القصر العلم الأحمر أعلى القصر وكان هناك عرض للألعاب النارية؛ انتهى العرض، على الأقل، بعمل مشترك: “جوقة مشتركة وموكب احتفالي، انضم إليهما الجمهور” (Gregor and Fülöp-Miller 1928: 104). كان التمجيد هو أن المؤدين والمتفرجين اتحدا أخيرا واحتفلا معا بانتصار الثورة بوصفها خلاصا لهما.

قبل “الأحد الدامي”، كان يمكن عدُّ ساحة القصر رمزا للاستبداد القيصري والاستغلال والقمع، وحوَّلها “الأحد الدامي” إلى موقع لإحياء ذكرى شهدائه، لقد حولها اقتحام قصر الشتاء إلى موقع للتحرير والتمكين الذاتي للناس. ما نوع التحول الذي أحدثه إعادة تمثيل “اقتحام قصر الشتاء” – على الأقل طوال مدة العرض؟ يمكن للمرء أن يسميها إعادة أسطرة للمكان تتحقق بمزيج من الأساطير المسيحية والثورية، على الأقل إبان فترة الفرجة.

مهما قد يبدو من اختلاف بين هذين المثالين، من حيث الزمان والمكان والموضوع، فإن كليهما يقوي إيمان جميع المشاركين في القوة الخلاصية للدين أو الأيديولوجيا الرئيسين.

مثالي الأخير هو من القرن الحالي. إنه لا يقوّي بل بالأحرى يسعى إلى تقويض قناعة أو إيمان معين لدى المشاركين. أنا أتحدث عن عمل كريستوف شلينجينسيف Christoph Schlingensief الذي يحمل عنوان “أرجوك أحب النمسا” Please love Austria [ضمن] أسبوع التحالف النمساوي الأول First Austrian Coalition Week، الذي تم تقديمه بمناسبة مهرجان فيينا في عام 2000. أقيم في الساحة أمام دار الأوبرا في فيينا – أي رمز الثقافة البرجوازية. هنا ، أُنشِئت حاوية لإيواء طالبي اللجوء. بين الفينة والأخرى، عمد مشاهير مثل الممثل سيب بيربيشلر  Sepp Bierbichler  إلى زيارتهم وإجراء مقابلات معهم. كان كل ما يجري في الحاوية يُبث على شاشة عريضة، مما يجعل ذلك مرئيا لدى جميع الحاضرين في الميدان. وهكذا أصبح المتفرجون والمارة بالصدفة على دراية بطالبي اللجوء داخل الحاوية. هذا العمل الذي يبدو محايدا تُناقضه لافتة توجد أعلى الحاوية كتب عليها “فليخرج الأجانب!” Foreigners out!” “. من خلال توظيف نموذج التصويت المتلفز الذي يمثله برنامج تلفزيون الواقع الأخ الأكبر Big Brother  والتهكم عبْره، أُعْلِن أنه يمكن للمشاهدين والمارة التصويت كلَّ يومٍ على اثْنين مِنَ السكان الذين سيتم ترحيلهم – على الأقل ظاهريا- من النمسا. ترك شلينجونسيف Schlingensief الجمهور في حيرة من العواقب الفعلية لتصويتهم.

خلقت هذه الترتيبات موقفًا محرجا إلى حد ما لجميع المعنيين. ظهر سكان الحاوية على الشاشة وتعرضوا لنظرات الجمهور في حياتهم اليومية. ومع ذلك، وبعد أن أبلغهم  شلينجونسيف Schlingensief مسبقًا وبشكل مناسب أن التصويت لن تكون له أية عواقب بالنسبة إليهم، فقد يشعرون بإحساس بالتفوق تجاه المتفرجين. منحت حوارات المشاهير قيمة مضافة لتاريخهم الخاص وأقدارهم وتجاربهم وآمالهم. ربما أدى هذا إلى نوع معين من التشجيع أو حتى التمكين الذاتي.

 بالنسبة إلى المتفرجين، كان الوضع مربكا إلى حد ما. يمكن قراءة اللافتة على أنها نداء “لحظر” جميع “الأجانب” من البلاد، بغض النظر عن هويتهم وسبب قدومهم. التصويت، مهما كان مفتقرا للإنسانية، لا يزال يوجه الانتباه إلى فردانية الأشخاص داخل الحاوية. إذا أراد أحد المارة التصويت، فعليه أن يدرك أن مجموعة “الأجانب” كانت لا تزال تتكون من أفراد. كان لابد من تحديد سبب محدد للتصويت على شخص ما خارج الجماعة المشتركة وهو أنهم كانوا جميعًا “أجانب”. كان على ذلك أن ينطبق على هذا الفرد فقط، ومن ثمة التعرف على الشخص المعني على هذا النحو. لم يكن “مجتمع السكان المحليين” مقابل “الأجانب” ولكن المتفرجين الأفراد هم الذين اضطروا إلى الاعتراف بـ “الأجانب” كبشر فرديين مختلفين عن بعضهم البعض.

إذا قارنا هذا العرض مع المثالين الأولين، يمكننا أن نساوي طالبي اللجوء بالأرواح الملعونة و / أو المعذبة والبروليتاريين على الخشبة الحمراء. قد يكون المتفرجون الذين صوَّتوا لترحيلهم من النمسا على صلة بالشياطين أو أولئك الموجودين على الخشبة البيضاء. ومع ذلك، كان هناك اختلاف واحد حاسم؛ بينما في المثالين الأولين، كان الشياطين ومؤدو الخشبة البيضاء مقتنعين في البداية بانتصارهم ولم يدركوا هزيمتهم إلا في وقت لاحق، وقع هنا المتفرجون في حالة من التناقض وعدم اليقين والتردد منذ البداية.

لقد تعزَّز ارتباك “المتفرجين” إلى حد كبير من خلال الموقع الذي حدثت فيه الفرجة – والذي لم يدركه الكثيرون على هذا النحو -: في ساحة الأوبرا. لقد استحضِر تقليد الأوبرا النمساوي الطويل والشهير الذي احتفل بموت أو انتصار البطل أو المغنية. هنا شعر السكان أنهم في مواجهة الواقع الظاهري لأجانب يريدون العيش في بلدهم، وهو واقع بدا بعيدًا عن الأوبرا، ولكنه كان في الواقع حالة أوبرالية، لأنه كان بحد ذاته عملًا “فنيا”، وعلى الرغم من ذلك، لم يُعرف على هذا النحو. وعلى المنوال نفسه، كان أيضًا عملًا سياسيًا أثَّر على الساحة التي حدث فيها؛ كانت الحدود بين الفن والسياسة غير واضحة. تحول الفن إلى سياسة حيث تحولت ساحة الأوبرا إلى حلبة سياسية.

في الختام: في كل فرجة من فرجات الشارع التي تمت مناقشتها حتى الآن، كانت المصلحة العامة على المحك:

  • خلاص لسكان المدينة، إن لم يكن للبشر ككل؛
  • انتصار المظلومين على مستغليهم ومضطهديهم؛
  • طريقة إنسانية للتعامل مع المحتاجين، واللاجئين، في دولة رفاهية مثل النمسا.

نظرًا لأن جميع العروض كانت تتعامل مع مصلحة عامة، يبدو من المنطقي تمامًا ألا تنظم الفرجة في أماكن منعزلة يتطلب الدخول إليها التذاكرَ مثل مباني المسارح أو قاعات المدينة أو الأماكن الأخرى التي عادة ما تكون مفتوحة فقط لشريحة معينة من السكان، إنما كانت الفرجة لاستعادة المجال العمومي – ساحة السوق، بوصفها مساحة مشتركة للاهتمام اليومي؛ حيث الساحة توجد قبالة قصر الشتاء، مقرِّ الظالم السابق الذي كان بعيدًا عن متناول الجمهور؛ وأخيرًا، حيث الساحة تقع أمام الأوبرا ، التي هي مؤسسة فنية لما يسمى بالنخبة، أي الطبقة الوسطى المتعلمة.

ترك العمل في هذه المواقع المعينة بصمة عليها. طوال مدة الفرجة، حُوِّلت كل منها بطريقة خاصة. لقد تحولت إلى مكان آخر، أي فضاء عصيٍّ heterotopia (هيروتوبيا). كشفت المشاركة في تلك العروض عن إمكانات الساحات المعنية باعتبارها فضاء عصيا (هيروتوبيا) عبر تغيير الأشخاص الذين شاركوا فيها – “الممثلين” وكذلك “المتفرجين”. يمكننا استخلاص هذا الاستنتاج ليس فقط من الأقوال المبرمجة للمنظِّين، ولكن أيضًا أو أكثر من ذلك، من شهادات المتفرجين. لقد استُغِلت الإمكانات التحويلية الكامنة في مثل هذه الأماكن العامة عند استخدامها مواقعَ للعروض في السنوات الماضية في أجزاء كثيرة من العالم بطرق مختلفة ولأغراض سياسية متباينة.

إنني أتطلع إلى العروض التقديمية التالية التي ستبرز وتحدد الاحتمالات العديدة لكيفية عمل عروض الشوارع بوصفها فضاءات عصية (هيروتوبيا).

شاهد أيضاً

مهرجان طنجة المشهدية يكرم سليمة مومني وعبد العزيز الخليلي في افتتاح دورته 18

منذ أولى دوراته، ومهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، يحتفي برموز الفرجة وفنون الأداء، إن من …

“الجسد الفرجوي”: محور نقاش الدورة 18 لمهرجان طنجة للفنون المشهدية طنجة، 26-30 نونبر 2022

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة الثامنة عشرة من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

التقرير الأدبي 2017-2021

  كلمة لا بد منها 1. مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية (من 2017 إلى 2021) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *