فرجات الأماكن الأخرى : تأملات في فرجات الملاعب بالمغرب

  • خالد أمين

خلافا لجمهور أبولون، تصنف جماعات الألتراس على الطرف النقيض. فأعضاؤها شباب في مقتبل العمر، أكثرهم مراهقون، كلهم قوة، قوة البدن وروح المغامرة، لديهم الفائض من القوة. وبوعي أو بدونه نجد لديهم الرغبة في تصريف قوتهم -هذا سلوك طبيعي عند المراهق-. نجد أعضاء هذا الجمهور يبحث عن إثبات ذاته، يجد ذاته في النصر وفي التحدي. فكل شيء على هذا الشباب يهون. لهذا، وبحكم هذا المعطى، نجد أن لجمهور الألتراس طبيعة خاصة، إنه يبحث عن الفرجة، عن المتعة على المدرجات، إنه “ديونيزوس” اليوناني أو باخوس الروماني -إله المرح والرقص ونقيض أبولون في الأساطير القديمة-. ما يدل على ذلك هو التحرك في المدرج على امتداد المباراة -هذه هي البوجا-، مجموعات الألتراس تمارس الأداء القوي للأغاني، أداء تتخلله حركات مميزة لإرهاب الخصوم” [1]. (تفروت لحسن)

أي موقع لفرجات الأماكن الأخرى في مغرب اليوم، وبخاصة تلك التي تقدمها الألتراس Ultras (مجموعات جماهير نوادي كرة القدم) داخل ملاذها المفضل ألا وهو ”الكورفا(Curva)” (أو الفيراج)؟. تطرح هذه الورقة الأولية موضوع فرجات الملاعب بوصفها فرجات مغايرة، ومفعمة بقوة “الفرجوي” le spectaculaire والأدائي performative عبر الزحف الهادئ“Quiet Encroachment” بوصفه سلوكا فرجويا جماهيريا ممتلئا بالباروديا، والغروتيسك، والكرنفالية.

يتطلع الألتراس دائما إلى إبداع أشكال جديدة ومبتكرة للتشجيع داخل الملاعب وخارجها حتى أصبحت تيفوهات وأغاني الألتراس تثير الدهشة، وهي تمزج بين الفرجوي والأدائي مع مجموعات جماهير الألتراس مثل ”غرين بويز” (Ultras Green Boys) المساندة للرجاء البيضاوي حينما غنت كورال “فبلادي ظلموني” (وهي الأغنية التي تجاوزت حدود الشغف الرياضي بحمولاتها الاجتماعية والسياسية لتعبر عن مزاجيات الشارع)؛ أو ألتراس هيركوليس (Ultras Hercules) المساندة لاتحاد طنجة التي غنت “ولد الشعب يغني”، و”هادي بلاد الحكرة”، أو ألتراس الوينرس (Ultras Winner) المشجعة للوداد البيضاوي، وأغنية “قلب حزين”… لا تقتصر هذه الأغاني -وأخرى لا يتسع المقام لذكرها- فقط على تقديم فرجة الجمهور (ميتا-فرجة) وهو يشاهد مجريات الفرجة الأصل (مباراة كرة القدم)، بل تعمل في الوقت نفسه على انتقاد وضعية تسيير الفريق، وتتجاوز الملعب لتعانق قضايا المجتمع، رافعة سقف فرجة الاحتجاج عاليا.

وقد تحولت الملاعب في السنوات الأخيرة بدورها إلى مجال عمومي صاخب ومتفاعل مع قضايا المجتمع المغربي/العربي وبخاصة تلك المرتبطة بالشباب في ظل ارتفاع منسوب ثقافة الاحتجاج؛ إنه حراك الملاعب بوصفه تجسيدا لما يسميه آصف بيات بـ”اللا حركات الاجتماعية” Social Non-Movements باعتبارها امتدادا للحراك الشعبي. وهنا تصبح فرجة الألتراس فرجة احتجاج بامتياز؛ وهي ‘أدائية’ performative بقوة ما تنجزه من أفعال ومواقف سياسية معلنة، ومتفاعلة مع مزاج الشارع الغاضب، وهي أيضا ‘فرجوية’ spectaculaire بقوة ما تقدمه من عروض ساحرة تخرج عما هو مألوف.

لطالما استفزتنا مجموعات الألتراس بفرجاتها المثيرة للدهشة والبهجة…. وغالبا ما يتم التوسل بقاموس المسرح والفنون الأدائية لفك شفرات تيفوهات الألتراس، وباقي الطقوس الفرجوية المجاورة. ولعل أبرز هذه المفردات المستعارة هي ‘الفرجة’ ذاتها، و’مشهد الألعاب النارية’ Pyroshow، و’الكوريغرافيا’، و’جمهور أبولون في مقابل جمهور ديونيزوس/ باخوس’… كما باتت تستفزنا أيضا الإحالات المتتالية لأعمال مسرحية وأخرى أدبية في تيفووات الألتراس: تيفو مسرحية “المغنية الصلعاء” ليونيسكو، وتيفو “غرفة التعذيب” ‘Room 101’ المستوحى من رواية 1984 لجورج أورويل…

يدفعنا مفهوم الفرجة- تبعا لهذا السياق المخصوص- إلى إعادة النظر في السلوكات الفرجوية الخارجة عن دائرة الممارسة المسرحية الصرفة. والأهم من هذا، هو إعادة تقييم مفهومنا للمسرح وباقي الفنون المجاورة؛ ذلك أن الفرجة أشمل من المسرح، إذ تستوعب باقي الأشكال التي تركها المسرح وراءه.

ولعل فرجات الألتراس هي إحدى تلك الفرجات التي تستدعي المزيد من الاهتمام والتأمل على أكثر من مستوى. إنها فرجات لا تخلو من الفرجوي spectaculaire والتمسرح Théâtralité؛ فالفرجوي هنا يشمل التمسرح، لكن يتجاوزه من ناحية التمظهر؛ كيف ذلك؟. يُعبر المجال الفرجوي عن نفسه حسب Béatrice Picon-Vallin من خلال الآثار الضخمة، والخارق، والسحري، والمبهر، والرائع، والوحشي والغروتسكي، وكل ما يتم تمثيله على الرغم من كونه عصيا عن التمثيل بسبب فائضه[2]. ويمكن القول في هذا الصدد بأن التمسرح يتمظهر في مجالات فرجوية مختلفة بما فيها فرجات الملاعب، إضافة إلى بيته الرمزي المتمثل في المسرح. فعلى الرغم من كونه خاصية مهيمنة في المسرح إلا أنه يمكن أن يتحقق بعيدا عن أب الفنون.. أما الفرجوي، فبقدر ما يتضمن التمسرح بقدر ما يتجاوزه إلى ما هو خارق ومثير للدهشة إلى حد الإفراط، كما يبدو جليا في بعض تيفوهات الملاعب، وفرجات الاحتجاج مثل وقفات الحركة الاحتجاجية “شباب من أجل المناخ”.

إذا كانت الفرجة هي الشكل التعبيري الأكثر حظوة للتعليق على الصراع بشتى تجلياته، وإذا كان الجسد المجتمعي قد أصبح في حالة غليان، كما هو شأن الحراك الحالي في ظل وقع التعثرات التي عاشها الربيع العربي مشرقا ومغربا، فإن تمظهر شذرات من هذا الغليان من خلال فرجات الاحتجاج – قد أصبح واقعا ملموسا. إنها فرجات تفصح عن مواقف سياسية في المجال العمومي. وقد تبدو هذه الفرجات عفوية وغير مخطط لها. لكنها، في واقع الأمر، تعكس خبرة الجسد المنتفض وذاكرته الفرجوية/ الطقوسية الجماعية. والحال، أن فرجة الاحتجاج تتموقع بدورها في فضاء بينيّ، كما تنحو نحو إعادة الاعتبار للدور السياسي الذي يجب أن تضطلع به الأدائية Performativity في زمن الليبرالية المتوحشة الذي أصبحت فيه الفرجة عرضة للتشيىء، والتبخيس، والاستعراض. لذلك تتعمد مجموعات الألتراس خلق فرجاتها الموازية المعبرة عن عشقها الأبدي لناديها متحدية ما آلت إليه المنظومة الكروية في ظل العولمة المتوحشة. إلى هنا، وجب التساؤل: من هم الألتراس؟

الألتراس/ كرنفال الفرجة

“عكس باقي ممارسات رابطات المشجعين العاديين، تعيش الألتراس شغفها الرياضي طيلة أيام الأسبوع وليس فقط أثناء مباراة آخر الأسبوع. كل شيء آخر تابع لكرة القدم”.[3]

يصنف ذوي الخبرة في شؤون كرة القدم المشجعين إلى فئات متباينة من حيث العقلية والسلوك. وعموما يراوح الجمهور بين الأصناف الآتية: جمهور النتائج الذي يشتري التذكرة بحثا عن متعة الفرجة، وجمهور روابط النوادي التقليدية، وهي غالبا ما تكون لسان حال المكاتب المسيرة للفرق، والهوليغانز، وهي مجموعات مهووسة بالشغب من حيث هو سلوك مشوش، ومعاد للمجتمع، وعنيف إلى درجة تعطيل الأنشطة الاعتيادية. فعادة ما تعد حوادث الشغب بمثابة اشتباكات بين الهوليغانز المؤيدين للفرق المختلفة؛ وتشمل أحيانا سلوكات عنصرية اتجاه الآخر، ورمي الأشياء، والاستخدام العشوائي للشهب أو مواد أخرى قابلة للاشتعال، وغزو الملعب، وما إلى ذلك…

ومن الملاحظ أن الفرق بين الهوليغانز والألتراس قد يبدو منطقة رمادية للبعض منا، لكنه واضح وبين للبعض الآخر؛ إذ يتجلى الاختلاف في شغف الهوليغانز بالعنف لذاته بينما يمارس الألتراس عشقهم المفرط لفريقهم كيفما كانت النتائج. وتبقى فئة الألتراس هي المجموعة التي تقتني التذاكر وتتنقل مع الفريق أينما حل وارتحل (بإمكاناتها المحدودة وفي استقلال تام عن إدارة النادي)، وتقوم بإعداد الشعارات، والتيفوهات، وتستعد طوال الأسبوع للمباراة… لكن ليس بحثا عن تلقي الفرجة، بل لإنتاجها مؤازرة بذلك فريقها.

تعد مجموعات الألتراس بمثابة اللاعب رقم 12 في المباراة؛ وهي نوع من محبي الرياضة الذين يشعرون بوجودهم من خلال الدعم المبالغ فيه لفريقهم، وإنتاج عروض باهظة مثل: اللافتات، والتيفوهات، واستخدام المشاعل… كل هذه المظاهر يتم تصميمها وإنجازها بتفان ودقة متناهية لخلق فرجة موازية مشحونة بجو مخيف للفريق المنافس وجمهوره بمختلف فئاته. ومن أهم خاصيات تشجيعات الألتراس “عدم التوقف عن التشجيع والغناء طوال المباراة أيا كانت النتيجة، فللألتراس أسلوب فريد في التشجيع يتشكل حسب شخصية النادي وثقافة البلد. فكما في الأرجنتين والبرازيل، ينتشر في المغرب استخدام أعداد كبيرة من الطبول والآلات الموسيقية. كما تعتمد هذه المجموعات على الأداء القوي للأغاني، أداء تتخلله حركات مميزة لإرهاب الخصوم. ويقود التشجيع عادة قائد تشجيع يسمى “كابو” Capo الذي يكون مسؤولا عن اختيار الأغاني والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدي والتشكيلات، وعادة ما يخصص بالملاعب مكان مرتفع للكابو ليتمكن المشجعون من متابعته، والالتزام بتعليماته أثناء سير المباراة”[4] .وكل هذا يمنح الألتراس سمات الجوقة الموسيقية المتناغمة رغم تعددها، والمنضبطة برئاسة مايسترو الجوقة: ‘الكابو’. هكذا تتيح لنا ‘جوقية’ الألتراس إمكانية مقارنتها بالجوقة في المسرح الإغريقي القديم، فقد كانت الجوقة في اليونان القديمة تلعب دورا رئيسيا في المسرح؛ إذ تمثل صوت الشعب في ملاذها المفضل ‘الأوركيسترا’. وكان يتحلق حوالي خمسون راقصا ومغنيا ليشكلوا جوقة تغني وترقص وتسرد الأحداث، وأحيانا تعلق عليها، وكل ذلك بإيقاعات منسجمة لإيهام المتفرج بأنها كيان واحد وليس مجموعة من الأفراد.

وتعد الألتراس شبكة شديدة التنظيم والتسلسل الهرمي، وفي الوقت نفسه منظمة ‘شبح’: فضفاضة للغاية، ولا وجود لها رسميا في أغلب الأحيان. وغالبا ما تنتظم الألتراس على شاكلة أنوية ومجموعات مصغرة وقيادات متعددة تلتئم وتعد برامجها وأنشطتها بكل سرية وانضباط. تطورت ظاهرة الألتراس من مجموعة التورسيدا البرازيلية في أربعينيات القرن الماضي لتنتقل إلى كرواتيا ويوغوسلافيا، ثم إيطايا، وفرنسا، وإنجلترا… وتتراوح أعمار أغلب عناصر الألتراس بين خمس عشرة وثلاثين سنة. وهذا في حد ذاته مؤشر على الروح الجامحة التي تتمتع بها مجموعات الألتراس الشابة التي استعادت الملاعب لتصبح من جديد أماكن عمومية. وتصطدم الألتراس أحيانا مع السلطة بشتى تلويناتها مما يسحبها إلى ضفة الهوليغانز. والحال أن “مرارة العنف”، كما يؤكد سكاليا، “هي نتيجة بناء اجتماعي يشمل: عدم قدرة التعاطي مع الألتراس من قبل قوات الأمن والنوادي وسلطات المدينة؛ والأزمة المالية الناجمة عن تحويل كرة القدم إلى تجارة؛ والقوة المتزايدة للألتراس كوسطاء بين الحاضنين والمشجعين؛ والاستخدام المفرط لكرة القدم بوصفها منصة للدعاية السياسية من قبل السياسيين البارزين. ومن ثم، نجد مواجهة بين السياسة والاقتصاد والرياضة.”[5] وفي ظل هذه التشابكية، أضحت مجموعات الألتراس تمثل حاليًا مشكلة رئيسة في معظم البلدان (وليس فقط في المنطقة العربية)، حيث يتبنى عديد منها السياسة، ويعبر أحيانا من خلالها عن الكراهية، والعنصرية ضد الآخر، وغالبًا ما أصبح العنف يُنسب لهذه المجموعات، وبخاصة في أجزاء من أوروبا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.

وقد برزت ظاهرة الألتراس في المغرب ابتداء من عام 2005 إلى أن وصلت إلى خمسين مجموعة فما فوق حسب الباحث تافروت لحسن.[6] ويعد “الباتش” أهم ما تملكه مجموعات “الألتراس”، لأنه رمزها وشعارها. وحسب عقيدة “الألتراس” فإن غياب “الباتش” عن أحد اللقاءات يعد إهانة في حق المجموعة، بينما تمثل سرقته إهانة للمجموعة. يتمتع الألتراس، إذن، بروح جامحة، ويتطلع دائما إلى ابتكار أساليب جديدة للتشجيع داخل وخارج المدرجات.. كما “تتخذ كل جماعة ألتراس مغربية لنفسها علامات مادية تضمن تميزها وتشكل هويتها. ومن تلك العلامات نجد: اللوغو بأشكاله، التيفو بأنواعه… وهذا النوع أشبه بالطوطم الذي كانت تعتمده التجمعات البدائية. فلكل التراس علم يخصه، لوغو يعرف بهويته. إنه ”الباتش“Batch أي”اللوجو“- العلامة المميزة – الخاص بالألتراس. لكن اختيار الصورة المميزة، والألوان المعتمدة، والشعارات التي تحمل اسم الفريق، يتم بعناية فائقة، من قبل أعضاء الجماعة “[7].

فرجات الأماكن الأخرى: الكوربا/اليوطوبيا

“أعتقد بوجود – وهذا في كل المجتمعات- يوطوبيات لها مكان محدد وحقيقي، مكان يمكن أن نحدده على خريطة؛ ويوطوبيات لها زمن محدد، يمكننا أن نثبته ونقيسه في التقويم الزمني المعتاد لكل يوم؛ ومن المرجح جدا أن كل مجموعة بشرية، كيفما كانت، تقتطع، في المكان الذي تحتله، وحيث تحيا فعليا، وحيث تعمل، أماكن يوطوبية، وفي الزمن الذي تكون منهمكة فيه، لحظات من زمن غير موجود”.

(ميشيل فوكو، أماكن أخرى، 32)

يتميز الفضاء الذي تشغله فرجة الألتراس ببعده الرمزي؛ إذ لا يقيم القطيعة بين عوالم العام والخاص عبر فصل المؤدين عن الجمهور، بل أكثر من هذا تستدرج أغلب فرجات ‘الكورفا’ جمهورها للمشاركة في صناعة الفرجة عوض الاكتفاء بالتلقي السلبي لها، مما يعني أن جمهور فرجة ‘الكورفا’ سرعان ما يتحول إلى صانعها. و’الكورفا’ Curva هي جانب من مدرجات الملعب الذي يقع خلف المرمى وينقسم إلى منطقتين: الكورفا الشمالية والكورفا الجنوبية. فمن حيث قيمة التذاكر، تعد مدرجات الكورفا الأقل تكلفة حيث يلتئم ألتراس كل فريق في منطقته المعهودة مدفوعا بشعور من الشغف السرمدي والارتباط العاطفي القوي (إلى حد الغلو وكأننا إزاء عقيدة ملؤها الشغف المبالغ فيه) بفريقهم وزملائهم وشعارهم، وبهذا الجزء المخصوص من الملعب الذي يشغلونه، وهذا ما يُدعى ب ‘توبوفيليا’ Topophilia، وهي كلمة يونانية تعني التعلق القوي وحب المكان. عادة، تختلط التوبوفيليا مع الشعور بالهوية الثقافية والجماعية التي توحد الألتراس في ارتباطهم بفريقهم وبمكانهم المعتاد داخل الملعب، وهو المكان الأثير لما يمنحه للمجموعة من حبور ودفء. ويمكن عدّ الكورفا أيضًا “ملاذًا للشغف والهوية والذاكرة”[8]. كما تعد الكورفا بمثابة الدينامو المحرك لفرجات الملاعب ومصدر الحماس لباقي المدرجات التي تضم روابط المشجعين الكلاسيكيين والجماهير العادية… لذا فإن الاشتباكات والمواجهات وأعمال الشغب التي تقع أحيانا بين مجموعات الألتراس المتنازعة أو ضد قوات الأمن تقتصر على هذا الجانب من الملعب والمناطق المحيطة به (مع وجوب التمييز بين الألتراس والهوليغانز كما سبقت الإشارة إلى ذلك). وأحيانا أخرى تتجاوز المواجهات الملعب ليتفشى العنف في المناطق المجاورة، خاصة أثناء السير بالبانر Banner Cortege في قلب مدينة مجموعات الألتراس المنافسة، وهو ما يعتبر أحيانا استفزازا غير مقبول في أدبيات الألتراس. وترتبط كل هذه المظاهر بنمط من السلوك الجمعي للدفاع عن الكورفا بوصفه فضاء لكل الأزمنة حيث يتراكم الزمن إلى ما لا نهاية.

وبالنظر إلى مقاربة ميشيل فوكو للفضاء في محاضرته المذاعة في دجنبر 1966 تحت عنوان “أماكن أخرى” (hétérotopies) توجد يوطوبيات محدودة في الزمن… و”محصورة في الموضع”[9] بوصفها فضاءات مضادة. لذلك اقترح فوكو علما يتخذ الفضاءات الأخرى موضوعا له. تمتلك ‘الكورفا’- في سياقنا الحالي- “نظاما للانفتاح وللانغلاق يعزلها في العلاقة مع الفضاء المحيط”[10]. أضحت الكورفا مكانا مختلفا مع الألتراس عن باقي أماكن الملعب. إنها مكان يستمد حياته من ذاته ورواده (الألتراس)؛ وهو مكان منغلق على ذاته، حر بمعنى ما، ولكنه منذور حتما لنهاية المقابلة.. إلى موعد آخر حيث تلتئم الألتراس ليتجدد اللقاء وتنبعث الفرجة من جديد…

في معرض تحديدها لمجال الفرجة بادرت الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته إلى إبراز أربع خصائص مميزة للفرجة: “1- تولد الفرجة جراء الوجود الجسدي للمؤدين والجمهور انطلاقا من لقائهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض. وبالتالي، لا توجد فرجة بدون جمهور؛ 2- ما يحدث في الفرجات هو عابر وزائل، ومع ذلك نعيش تمظهرات سيرورة الفرجة بطريقة جد مكثفة في الحاضر؛ 3- لا تنقل الفرجة معاني مسبقة، لكنها تبني المعاني انطلاقا من سيرورتها؛ 4- تتميز الفرجات بخلقها للحدث لتتيح إمكانية تحقيق شكل ما من التجربة البينية”[11]. كل هذه الخصائص الأربع موجودة في فرجة الألتراس: 1) أينما احتشد الألتراس تنبعث الفرجة جراء ديناميات جماعية مدروسة بشكل دقيق وكأننا إزاء دراماتورجيا واعية بآليات اشتغالها وأهدافها. 2) ما يقع في الكورفا هو حدث آني واستثنائي وزائل، لكن أثره يظل مشعا في أذهان صانعيه ومتلقيه بما فيهم ألتراس الكورفا المنافسة. 3) تبني فرجات الألتراس معانيها انطلاقا من سيرورة إنتاجها وحسب سياقات تحقق التيفو أو الكورال. قد يحمل التيفو دلالات مختلفة حسب مستويات تلقيه. وفي هذا السياق، يعد التيفو في ثقافة الألتراس ذلك العلم الكبير بحجم الكورفا ذاتها، وهو عبارة عن لوحة فنية بادخة تقدم في لحظة الولوج والدخول (مع بداية المباراة) وأثناء مجريات المباراة… وغالبا ما يتضمن التيفو رسالة مشفرة لألتراس الفريق الخصم، لكن هذه الرسالة تبقى حمالة معان ومنذورة لأن تفهم بطريقة مختلفة. وأمثل لهذا التنويع في بناء المعنى بتيفو ‘الغرفة 101’ الذي ألبس بعدا سياسيا بينما الألتراس الراجوية ادعت أن الأمر لا يعدو كونه رسالة إلى الفريق الخصم ليس إلا. 4) تعد الكورفا فضاء لخلق الحدث الفرجوي؛ إذ تنبعث منها فرجات تتيح إمكانية تحقيق التجربة البينية.

ولعل ما يميز فرجة الكورفا هي تلك الخصائص الطقوسية والجمالية التي تسعفها في إيقاف الزمن الذي نحيا فيه لارتياد زمن الفرجة. وقد تتضمن فرجة الكورفا حركات تعبيرية رفيعة المستوى كما هو الأمر بالنسبة إلى حركات التلويح بالأيادي، أو العاصفة (النزول الجماعي إلى الأسفل بعد تسجيل الهدف)، أو عناصر فنية أخرى. كما أنها تعرض أمام جمهور يتكون من أغلبية لها ذاكرة مشتركة مع صانعي الفرجة، جمهور مدرك لمفردات دراماتورجيا فرجة الكورفا. وفي هذا الإطار، فإن انفصال الفرجة عن الحياة اليومية لا يصل إلى حد القطيعة، ولكنه يجعلها تجربة مكثفة وموسومة Marked. وهذا ما يتيح إمكانية ما يدعوه V.Turner بـ Communitas، أي لحظات التوهج الوجداني بين سائر أفراد الألتراس التي تندثر فيها الفوارق الاجتماعية بينها لتتحول إلى شيء آخر، كالزمالة المبنية على التجربة الجماعية المشتركة، وهي تجربة الشغف السرمدي. و”الكميونيتاس” باللاتينية هي المجتمع غير المنتظم حيث يكون الناس جميعا سواسية. وتكون محصلة هذه التجربة الوجدانية الفريدة التي تلغى فيها الفوارق الاجتماعية وغيرها اختراق الهوة بين الملاحِظ والملاحَظ، المتلقي والمرسل، وتنتج “خلقة” Habitus مشتركة من حيث هي جماع سلوكات ومهارات مكتسبة اجتماعيا تضم كلا من صانعي الفرجة والجمهور. هكذا، ينبعث المجتمع مجددا عبر ومن خلال الفرجة بوصفها حدثا استثنائيا بَيْنيّا.

يُنظر إلى الفرجة- في الغالب الأعم- بوصفها حدثا ملموسا ومحدودا في الزمان والمكان يتضمن عرض فعل ما، والحال أن فرجة الألتراس هي أيضا طريقة لفهم بعض السلوكات الإنسانية في شتى تمظهراتها الفرجوية بما فيها الجوانب الأدائية. وهنا تحديدا يحق لنا أن نتساءل: ما هي الحدود الفاصلة/الواصلة بين ما هو أدائي وما هو فرجوي؟ كيف يمكن تمثل ديناميات الأدائي والفرجوي في فرجات الألتراس؟ يتضمن مفهوم الأدائية performativity مستويات عديدة من المعاني. ومع ذلك، لا يجوز أن يكون وضوح هذه الدلالات المختلفة بمنأى عن مراعاة مقتضى الحال. لذلك، يمكن اعتبار الأدائية performativity، بادئ ذي بدء، تمظهرا للتمسرحtheatricality ؛ بمعنى أنه إذا كان شيء ما أدائيا فهو يشبه في ذلك من حيث الشكل والأهداف والآثار عرضا أدائيا أو مسرحيا ما. أما “أدائي” performative، فهو يحيل على مفهوم فلسفي دقيق يخص صيغة وقدرة الكلام الأدائي، ويتصل اتصالا وثيقا بمجال التداولية اللسانية عند الفيلسوف اللساني جون أوستين (Austin). لقد عرّف هذا الأخير “الأدائي” بوصفه تلفظا لا يعبر عن وضعية سابقة بأيّ شكل من الأشكال؛ ذلك أنه يؤدي فعلا ما أثناء فعل الكلام؛ فالكلام الأدائي يفعل ما يقوله أثناء التلفظ؛ وهو بذلك عمل مضمن في القول (أو العمل بالقول an illucutionary act)…

وتجدر الإشارة إلى أن أوستين استثنى الخطاب المسرحي في نقاشه؛ لأن هذا الخطاب لا يعبر حقيقة عن نوايا المؤدي أثناء فعل التلفظ وهو يتقمص دورا ما… ومع ذلك، يستوعب مفهوم “الأدائي”Performative مفاهيم أخرى من قبيل تنفيذ وتحقيق فعل ما. وهذا الفهم، بدوره، هو استيعاب للخلاصات التركيبية التي وصلت إليها الفيلسوفة الأمريكية جوديث باتلر Judith Butler التي تقول في هذا الصدد: “تفعل أفعال الكلام الإنجازية performative utterances ما تقوله في لحظة النطق بها. فهي لا تعد أفعالا عُرفية فحسب، بل تعد أفعالا “شعائرية” أيضا كما عبر عن ذلك أوستين. إنها تفعل فعلها بمقتضى الصورة الشعائرية التي تكتسيها. كما أن تَكرارها في الزمان يجعلها تحتفظ لنفسها بفسحة عمل لا تقتصر على لحظة النطق بها في حد ذاتها. صحيح أن فعل الكلام الإنجازي يفعل فعله في لحظة النطق به؛ وبما أن لحظة النطق هذه تندرج ضمن شعيرة، فإنها لا تكون لهذا السبب لحظةً غفلاً معزولة أو متفردة. فحتى حين تكون اللحظة مدرجة في طقس، أو جزء من شعيرة تكون عبارة عن تاريخية مكثفة condensed historicity. إنها تتخطى نفسها في اتجاهي الماضي والمستقبل؛ وأثر استدعاء السابق والآتي هو الذي يشكل لحظة النطق، وينفلت منها في الآن ذاته”[12].

ربطت باتلر -هنا- الأدائية بالهوية لتخلص إلى أن الهوية ليست تابثة، أو حتى سابقة على الوجود الإنساني، بل هي بناء وسيرورة قابلة للتحول والتغير؛ ذلك أن الهوية تبرز بوساطة الأداء، وليس العكس بالنسبة إلى باتلر دائما. أما بالنسبة إلى فيشر ليشته، فالفعل المسرحي يكون دائما أدائيا.. لكن في المقابل، ليس كل فعل أدائي مسرحيا…حيث يُحدد مفهوم الأدائية الكيفية التي يتأسس بموجبها المعنى انطلاقا من الإدراك في أثناء الحدث المسرحي/الفرجوي. ويتضمن هذا التحديد بأن الأدائية غير قارة، بل متحولة، تتغير بناء على محتوى العرض وطبيعة الجمهور؛ إذ توجد عوامل عديدة تؤثر على الأدائية، منها مستوى إدراك الجمهور، وانتظاراته الثقافية والفنية، وتفاعله العاطفي مع ما يعرض أمامه… وفي هذا السياق، تنطبق مقولة الفيلسوف الإغريقي Heraclitus (544 ق. م) “لا تستحم في النهر مرتين” على الفرجة وتحولاتها؛ ذلك أن مياه النهر في تدفق مستمر، وبالتالي فهي ليست المياه نفسها في المكان ذاته… وينطبق الشيء نفسه- أيضا- على الفرجة بوصفها حدثا آنيا وزائلا ومنفلتا، فلا يمكن الحصول على الفرجة نفسها مرتين؛ ذلك أن دينامية المؤدي/الجمهور تكون مختلفة في كل عرض فرجوي… وعليه، فإن هذا التوصيف ينطبق أيضا على فرجات الكورفا. كما تبرز هويات الألتراس وتتجدد انطلاقا من منجزاتها على أرض الكورفا وخارجها. وبالنظر إلى تصور باتلر للأدائية، يمكن عدّ فرجة الألتراس أبرز تمظهر للأفعال الانجازية من حيث هي ‘تاريخية مكثفة’.

الألتراس و’المجال العمومي’

تعد ‘سياسات الشارع’ “مجالا للنزاعات والآثار المصاحبة لها بين الجماهير والسلطات، والتي تم تشكيلها والتعبير عنها بشكل عرضي في المساحة المادية والاجتماعية للشوارع من الأزقة إلى الأرصفة الأكثر وضوحًا أو الحدائق العامة أو المناطق الرياضية”.

(آصف بيات، 1997 ، ص 63)

تشمل فرجات الألتراس مجموعة هائلة من الممارسات الأدائية داخل/خارج بنايات الملاعب الرياضية مثل الغناء الجماعي، وحركات التلويح بالأيادي، وإطلاق الأشرطة الورقية، والشرائط الملونة في الهواء، وإشعال الشهب الصناعية، والتيفووات، والسير في الشوارع المؤدية إلى الملعب بالبانر Banner Cortege، ورفع السنانير (الأعلام الكبيرة)، والعروض واسعة النطاق، والجرافيتي (رسومات على الجدران) التي تبرز المجال الحضري الخاضع لسلطة الألتراس، إلخ … كما تقتحم ممارسات الألتراس في كثير من الأحيان، وبشكل غير متوقع، الأنشطة اليومية المعتادة في المجال الحضري. فهي تربك الانتظارات، وتزعزع الروتين اليومي، وتحول الأماكن العادية المجاورة للملعب أو أماكن الاسترخاء مثل الساحات العمومية إلى أماكن فرجوية. هكذا تمتد أنشطة مجموعات الألتراس إلى أبعد من الملعب لتكتسح الفضاء الحضري. ويكشف سعيها للحصول على ظهور قوي في الأماكن العامة وإبراز دورها وريادتها كيف تصبح المدينة موضوعًا لمنافسة رمزية بين مجموعات مختلفة.

وبموازاة هيمنة سلطة الرقابة المفروضة على مفاصل المدينة، تبقى بعض أشكال التسكع الأدائي المستفز للمجال الحضري وسيلة ناجعة لإعادة تملك المدينة من لدن بعض مجموعات الألتراس. ونجد في السياق نفسه أن شخصية المؤدي الجوال (أو المستطرق) le flàneur وسيلة لإعادة تملك المدينة، وتحرير الحياة اليومية من سطوة الثقافة الاستهلاكية كما نظر لها Charles Baudelaire في القرن 19، وولتر بنيامين في ثلاثينيات القرن الماضي؛ حيث انبعث فن الهابنينغ في الاتجاه ذاته خلال ستينيات القرن الماضي من رحم المدينة، مربكا التقاليد القائمة، ومحتفيا بخاصية الزوال ephemerality، ورافضا تشيء الفن وإخضاعه لإواليات اقتصاد السوق… لهذا كانت تحتل فرجات الهابنينغ الشوارع بهدف تملكها من جديد، وإزاحة القطيعة بين الفن والحياة من خلال إرباك الإدراك الآلي للمحيط من لدن المارة الذين يتحولون إلى جمهور فرجة ما فجأة. والأهم من هذا هو تجسيد فرجة الهابنينغ لفكرة “أدائية الفرجة اليومية”- أدائية بالمعنى الذي ساقته جديث باتلر- أي تكرار مؤسلب للأفعال-، مؤكدة أنه إذا أدى أفرادها فرجة بطريقة استثنائية، فإنه من الممكن خلخلة المعاني والسلوكات التي أضحت طبيعية في الفضاء العمومي، وعادية في الحياة اليومية. وبنفس درجة أدائية الهابنينغ والمؤدي الجوال، تسعى مجموعات الألتراس لإعادة تملك الملعب (أو جزء منه) وممارسة شغفها السرمدي دون قيد أو شرط، مدفوعة بقوة الفعل.

ما هي حدود الفرجة والمجال العمومي إذن؟

 بالنظر إلى طبيعة الفرجة، فإنه لا يوجد حد فاصل بين الوهم والحقيقة؛ وهذا ما يجعلها تتراوح بين القدسي والدنيوي، والعام والخاص. إنها ببساطة، تتموضع في فضاءات المابينية. ويعبر “المجال العمومي”، بدوره المجال الخاص، ومجال السلطة العمومية من خلال آلية الرأي العام الذي ينبه بنيات الدولة إلى حاجيات المجتمع. ويعد المجال العمومي مساحة من الحياة الاجتماعية، حيث يتجمع الناس معا لمناقشة القضايا المجتمعية بما فيها السياسات الحكومية. وفي رحاب هذه المساحة الحرة، تتشكل اتجاهات الرأي العام. لقد طوّر هابرماس مفهوم “المجال العمومي” عن إيمانويل كانط ليصف البنى الخطابية التي أفرزها عصر التنوير في بعض المجتمعات الأوروبية منذ منتصف القرن الثامن عشر مع ظهور الصالونات، والصحف، والمقاهي، والنوادي؛ وهي في الغالب تنذر ببزوغ أنوية “المجتمع المدني”. وظهر المجال العمومي بالموازاة مع التحولات البنيوية في المجتمعات البورجوازية الأوروبية ليصبح شكلا من أشكال التجمع في “الأماكن العامة” بهدف التداول الحر في قضايا الشأن العام. ومع ذلك، فـ”المجال العمومي” هو أيضا حلبة تتصارع فيها العديد من التجمعات الجماهيرية المتنافسة، وسرعان ما يتحول إلى ميدان معارك، كما أكدت ذلك شانتال موف Chantal Mouffe ذات مرة. ويستعمل ثلة من الفنانين الثائرين المجال العمومي، إذن، للفت الانتباه إلى وجهات نظرهم السياسية مثلهم في ذلك مثل الألتراس المتمردين الذين يتفننون في أساليب الاحتجاج.

باتت الألتراس عبر الجسد الفرجوي تبرز مواقف سياسية معلنة، ومن دون مناقشة أو تداول حر مع الأطراف الأخرى التي تخالفها الرأي. وفي هذا السياق، تتشكل فرجة الألتراس بوصفها نموذجا للفعل السياسي الذي يقع خارج نطاق توافق الآراء السياسية الحزبية، أو حتى باقي الحركات الاجتماعية المنظمة؛ كما أنه لا يخضع مؤسساتيا للأحزاب، أو النقابات، أو المنظمات الأخرى. ومع ربيع الثورات العربية، أصبحت مجموعات الألتراس في العديد من البلدان العربية تعبر عن مزاج الشارع الغاضب، وهو الأمر الذي أحدث تطورا جوهريا في ظاهرة الألتراس؛ وبانفتاحها على مزاجيات الشارع تحولت الألتراس إلى ‘لا حركات اجتماعية’. ويمكن أن أمثل لهذا الانفتاح بأغنية ‘في بلادي ظلموني’، وهي أبرز نموذج ضمن تشكيلة أغان أخرى أنجزها الألتراس في الأربع سنوات الأخيرة: “أوه أوه أوه، لمن نشكي حالي، الشكوى للرب العالي/ أوه أوه أوه، هو اللي داري / فهاد البلاد عايشين فغمامة، طالبين السلامة، انصرنا يا مولانا/ صرفو علينا حشيش كتامة خلونا كي اليتامى نتحاسبو في القيامة… مواهب ضيعتوها/ كيف بغيتو تشوفوها/ فلوس البلاد كاع كليتوها/ للبراني عطيتوها…” في ظل آثار قانون مكافحة شغب الملاعب 0909 على نفسية الألتراس (الفيراجيست)، واحتجاجات السنوات الأربع الأخيرة (احتجاجات الحسيمة، جرادة..)، بما فيها حملة ‘مقاطعون’ غير المسبوقة في المغرب، انتشرت هذه الأغنية داخل وخارج الوطن.. كما انتشرت أغان مماثلة ليس فقط في الملاعب، بل أيضا في مرافق أخرى بما فيها الفضاء الأزرق.

هكذا أصبحت مجموعات الألتراس “تؤكد نفسها تدريجيا كقوة احتجاجية جديدة تتوسل شعارات ولافتات وأغاني ذات طبيعة احتجاجية وسياسية موجهة نحو السلطة بشكل مباشر، حيث تعيد التعبير عن مطالب باقي الحركات الاحتجاجية داخل فضاء الملاعب الرياضية.”[13] وأحيانا أخرى تتجاوز الملاعب لتتفاعل مع ديناميات الشارع. وخير دليل على هذا هو مشاركة مجموعات الألتراس الطوعية في ثورة 25 يناير بجميع محافظات مصر، وليس فقط في ميدان التحرير: “كانت المظاهرات قد بدأت صباح هذا اليوم، وبدت الشرطة واثقة من قدرتها على فضها قبيل المغرب… لكن هذا التوقع سرعان ما تبخر بعد صلاة العصر، إذ فوجئ الجميع بآلاف من شباب الألتراس يتدفقون على ميادين الثورة في مختلف المحافظات، وحين بدأت الشرطة محاولاتها لفض المتظاهرين كان شباب الألتراس أول من تصدى لها… أما “موقعة الجمل” (٢ فبراير)، فتعد من الأيام الأبرز في مشاركة أعضاء “الألتراس” في الثورة، ذلك أنهم كانوا في الصفوف الأمامية التي تصدت للبلطجية الذين اقتحموا الميدان بالبغال والجمال والحمير بغرض تفريق الثوار بالقوة…”[14] ومع تنحي الرئيس مبارك، فرضت أيضا الألتراس أسلوبها المعتاد في الاحتفال؛ إذ انطلقت ‘شماريخ الألتراس’ في سماء مصر احتفالا بنجاح الثورة. والملاحظ هنا هو تواجد الألتراس في الصفوف الأمامية لمواجهة رجال الأمن والبلطجية على حد سواء، وهو الأمر البديهي لدى الألتراس، ذلك أنه من أبرز شعارات الألتراس “جميع رجال الشرطة أوباش”، وهي تعريب لشعار (All Cops Are Bastards) الذي يُختصر في الأكرنيم التالي “A.C.A.B” (المنتشر في جدارات وأدبيات الألتراس).

إن الأثر الجمعي لظاهرة الألتراس -على الصعيدين العربي والمغربي- يدفعنا لاختبار مقولات آصف بيات بخصوص “اللاحركات الاجتماعية” بوصفها كيانات غير منظمة أو ذات قيادات وإيديولوجيات محددة يمكن تحجيمها أواحتواؤها، بل أناس عاديون يمارسون شغفهم فحسب….. وتأتي ديناميكية فن الحضور The Art of Presence في صدارة تلك المقولات، إذ ترتبط بمدى الشجاعة والإبداع اللذين يمكن أن تتحلى بهما مجموعات الألتراس في تأكيد إرادتها الجمعية، وتكريس كل إمكاناتها المتاحة في اكتساح مساحات جديدة تمكنها من أن تكون حاضرة بقوة في المشهد داخل وخارج الملاعب. أصبحت اللا حركات الاجتماعية، أو التابع الحضري urban subaltern حسب تعبير آصف بيات، وسائل أخرى للتغيير في المجتمعات العربية.

تشترك اللا حركات الاجتماعية في العديد من الخصائص مع الحركات الاجتماعية التقليدية، ولكنها أيضا تختلف في نواح عديدة. وفي الوقت الذي تعد فيه الحركات الاجتماعية بشكل عام إجراءً جماعيًا طويل الأمد، منظما بشكل كلي أو جزئي بهدف إلى التغيير الاجتماعي، فإن”اللا حركات الاجتماعية” تتضمن عناصر قوية من العفوية والفردانية والمنافسة بين المجموعات، من بين ميزات أخرى”[15]. وينطوي تحول ديناميكيات الشوارع إلى سياسات الشارع street politics على استخدام الفضاء الحضري بوصفه قوة، حيث تصبح أرصفة الشوارع والطرق المتقاطعة والمجالات الحضرية مساحات للتجمع والتعبير العام، كما يوضح بيات. ويعرّف بيات سياسات الشارع على أنها “بؤرة النزاعات والآثار المصاحبة لها بين الجماهير والسلطات، والتي تم تشكيلها والتعبير عنها بشكل عرضي في المساحة المادية والاجتماعية “للشوارع”، من الأزقة إلى الأرصفة الأكثر وضوحًا، أو الحدائق العامة، أو الفضاءات الرياضية”[16]. وقد اتسعت دوائر المجال العمومي العربي مع الألتراس وباقي ‘اللا حركات الاجتماعية’ عبر تطور نوع جديد من الديمقراطية التشاركية الواسعة النطاق. والملاحظ أيضا هو غزو هذه المجموعات للفضاء الأزرق وباقي مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز دينامياتهم، وإنجاجاتهم من خلال الصور والفيديوهات…

كما صارت مجموعات الألتراس تنافس التدوين السياسي في الفضاء المعلوماتي مع تدفق شبكة الأنترنيت، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما أنشأ مجالا عاما افتراضيا يضاف إلى “المجال العمومي” التقليدي الذي كان يتسم بالمحدودية في ظل نظم شمولية أو شبه شمولية. كما يضاف إلى التدوين السياسي الذي قامت به ثلة من شباب مصر وتونس وبلدان عربية أخرى (نواره فؤاد نجم، ووائل غنيم، وأسماء محفوظ، ومنير بن صالح…) بوصفهم محركا للثورة، ومحفزا للتغيير الاجتماعي والسياسي. فمن خلال “الفايسبوك”، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، تحقق الالتفاف على رقابة النظام البوليسي والتعتيم الإعلامي بتونس، وجرى نقل أحداث سيدي بوزيد وتعميمها في ربوع تونس. وفي مصر، خُطط لتبادل المعلومات اللوجيستيكية لاحتلال الميادين على صفحات “الفايسبوك”…

ومع ذلك، لا بد من التأكيد، في هذا المقام، أن شبكات التواصل الاجتماعي هي مجرد وسائل لتحقيق الديمقراطية في عالمنا العربي، واستعمالها لا يجب أن يتعدى كونها وسيلة ناجعة للتواصل في عصرنا الراهن. لم تكن هذه الوسائط المحرك الأساس للحراك، كما يدعي كثيرون… بل إن المحرك الرئيس للثورات العربية هو تغييب “التسعة والتسعين في المائة” من تسيير الشأن العام، بالإضافة إلى تدهور أوضاع المواطنين على أكثر من مستوى… وهو ما يثمنه المفكر العربي عزمي بشارة بقوله: “لو جلس الجميع على “فايسبوك” لما قامت الثورة.. لقد أصبح كل من لديه “فايسبوك” يظن أن له دورا كبيرا في صناعة التاريخ.. هذه المواقع قامت فقط بدور التعبئة الإيديولوجية في الثورات”. وعلى الرغم من ذلك، فإن الوسائط الرقمية قرّبت المسافات بين الثوار… لهذا، يمكن عدّ دراسات الفرجة من أهم المجالات البحثية التي قد تسعفنا في مقاربة فرجات الاحتجاج بما فيها ما أفرزه الربيع العربي من زخم هائل من العروض المشاكسة في الفضاءات العمومية، وفرجات الألتراس الحالية التي أصبحت تستفزنا بين الحين والآخر بإرباكها الحدود بين الرياضي والسياسي…

خلاصة تركيبية                

إلى هنا، يمكن القول إن الفرجة جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي، وهما معا يوجدان قيد الاختبار ضمن عملية الشرعية الاجتماعية. كما أن هناك شبه إجماع لدى الباحثين في مجال دراسات الفرجة على أن التحقق المادي للفرجة مشروط على الأقل بتوفر خمسة مبادئ: مبدأ المباشرة الذي يفرض على الفرجة أن تكون حية؛ ومبدأ الارتجال بوصفه أساس الفرجة حتى حينما تكون مبنية على نص مكتوب؛ ومبدأ المشاركة الذي يجعل من الفرجة عملا تشاركيا، فليست هناك فرجة فردية، ومن ثَمَّ لا يوجد مسرح فرديّ لأن التحقق الفعلي للفرجة يكمن في وجود مؤدي/ مؤدين وجمهور؛ ومبدأ الشرعية، فبما أن الفرجة جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي فإنها تتماشى مع سيرورات الشرعية الاجتماعية. أما المبدأ الخامس والأخير فهو الأفق الاستشرافي للفرجة؛ إذ تكمن سلطة الفرجة في قدرتها على إبراز ما هو مستحيل في الواقع، أو ما لم يتم تخيله بعد… لهذا فهي رقص على حد السيف. وفرجة الألتراس لا تخرج عن هذا السياق…

[1] – تفروت لحسن، “سيوسيولوجية جمهور كرة القدم”: https://www.alawan.org/2014/09/13/

[2]Béatrice Picon-Vallin, dans Christine Hamon-Siréjols, André Gardies (dir.), L’Injonction spectaculaire, Les Mises en scène du théâtre et du psychodrame (Paris: Le Harmattan, coll. Études psychanalytiques, 2000).

[3]-David Kennedy, «A Contextual Analysis of Europe’s Ultra football Supporters Movement», Soccer & Society 14, N° 2 (2013) : 132-153.

[4] تفروت لحسن، “سيوسيولوجية جمهور كرة القدم”: https://www.alawan.org/2014/09/13/

[5] -Vincenzo Scalia, “Football Ultras, Clubs and Politics in Contemporary Italy”, International Review for the Sociology of Sport 2009: 41-53. P. 52.

[6]– اسم الالتراس فريقه اسمه المختصر:
GREEN BOYS 2005 الرجاء البيضاوي 2005UGB
ULTRAS EAGLES 2006 الرجاء البيضاوي UE2006
2006 Green Gladiators الرجاء البيضاوي 2006UGG
2005ULTRA WINNERS الوداد اليضاوي 2005UW
FATAL TIGERS 2006 المغرب الفاسي 2006UFT
ULTRAS ASKARY2005  الجيش الملكي UA2005
CRAZY BOYS 2006 الكوكب المراكشي UCR2006
SIEMPRE PALOMA2006  المغرب التطواني USP2006
GREEN GHOST2007  أولمبيك خريبكة UGG07
ULTRAS IMAZIGHEN2006 حسنية أكادير UI2006

[7]https://www.alawan.org/2014/09/13/

[8] Vincenzo Scalia, “Football Ultras, Clubs and Politics in Contemporary Italy”, International Review for the Sociology of Sport 2009: 41-53. P. 41.

[9] – ميشيل فوكو، “الجسد الطوباوي، أماكن أخرى” ، ترجمة محمد العرابي (منشورات ‘الانتهاكات’)، ص. 32.

[10] – فوكو، 37.

[11]Fischer-Lichte, « Culture As Performance: Theatre History as Cultural History », in Acts/Proceedings, Historia Do Teatro E Novas Tecnologias, 2.

تؤكد إيريكا فيشر ليشته، في مناسبات عدة، على هذا الأمر: “استنادا إلى ما ورد في كتابي الأخير “جماليات الأداء: نظرية في علم العرض”، فإن الفرجات تجسد حالة من البينية؛ ذلك أن الفرجة ترتهن بفعل تلك الحالات التي تتحقق عبر الحضور الجسدي للمؤدين والجمهور. فالجمهور المشارك يتأثر بكل ما يصدر عن المؤدين، وبدورهم يتأثر هؤلاء بردود فعل الجمهور. هكذا، لا يتحقق الوجود الفعلي لفرجة ما إلا أثناء سيرورتها حيث تنبعث من التفاعل بين المؤدين والجمهور”.

Erika Fischer-Lichte “Interweaving Cultures in Performance: Different States of Being In-Between”. New Theatre Quarterly, 25, 391-401.

[12] -Judith Butler (1997) Excitable Speech: A Politics of the Performative. New York: Routledge, 3.

[13] – اسماعيل حمودي، يونس خراشي، محمد جليدن “الإلترات فاعل سياسي وحركة اجتماعية مضادة للسلطة”، (ملف خاص، أخبار اليوم 30 نونبر – 01 دجنبر 2019)، ص. 11.

[14] – أكرم خميس، ثورة جيل ألتراس، (المنظمة العربية لحقوق الإنسان: 2012)، صص. 67-70.

[15]– Asef Bayat, “Un-civil society: the Politics of the ‘Informal People’”, (Third World Quarterly, Vol 18, No I, 1997: pp 53-72), 57.

[16] -Bayat, p. 63.

شاهد أيضاً

المركز الدولي لدراسات الفرجة يُطلِق مشروع “نقرة الحمامة” للحد من أشكال العنف

منذ ما يزيد عن اثني عشر عاما، والمركز الدولي لدراسات الفرجة يحمل على عاتقه مسؤولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *