طنجة المشهدية تناقش عودة فنون الحكي إلى المسرح وتكرم البروفيسور مارفن كارلسن المنعطف السردي في المسرح محور نقاش الدورة الثانية عشر

  • أحمد فرج الروماني

انطلقت مساء يوم الخميس 15 شتنبر 2016، فعاليات الدورة الثانية عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، الذي ينظمه المركز الدولي لدراسات الفرجة؛ حيث تمحورت دورة هذه السنة حول موضوع: “المنعطف السردي في المسرح: عودة فنون الحكي”.

وسعيا منه إلى استكشاف ممارسات فرجوية وخطابات جديدة تتناول العلاقة المتبادلة بين الحكي والمسرح، في إطار ما نصطلح عليه بالمنعطف السردي في المسرح، استضاف المهرجان مجموعة من الباحثين والخبراء من مختلف أنحاء العالم في طاولة نقاش طنجة المشهدية، حيث تناولوا بالدرس والتحليل مجموعة من الإشكاليات المختلفة التي لامست موضوع الدورة من جوانب متعددة: المنعطف الفرجوي/ المنعطف السردي في المسرح المعاصر: أية علاقة؟ / جماليات الفرجة السردية المعاصرة / مظاهر تسريد الأحداث الواقعية في المسرح / الرقص كآلية سردية: جدلية ‘الجسد الناطق’ و’النص المتحرك’ / الحكي الجريح: شهادات سنوات الجمر والرصاص في المسرح المغربي / المحكي الذاتي والمحكي الجماعي في المسرح / عودة فنون الحكي العربي في الممارسة المسرحية المعاصرة/ السرد العربي القديم: من التراث إلى النص إلى العرض.

اختيار هذا الموضوع للنقاش، فرض نفسه نظرا لازدهار العروض السردية والمسرحيات المونولوجية في الآونة الأخيرة؛ حيث لاحظ النقاد والباحثين في المسرح وفنون الفرجة أن السرد  بدأ يعود إلى المسرح، ويأخذ المونولوج الأسبقية على الديالوج؛ ومن ثم يزلزل وهم الدراما. وقد خلص المتدخلون في الجلسات العلمية، التي تجاوزت 17 جلسة، إلى أنه لا ينبغي النظر إلى هذه العودة من حيث هي التفاف حول القصة، بل هي عرض لممكنات الفعل القصصي، وسعي إلى تحقيق علاقة جديدة مع التمثيل المسرحي بعيدا عن العودة إلى الدراما.

المدخلات التي عرفتها الندوة، سلطت مزيدا من الضوء حول التداخل الحاصل بين “المنعطف السردي” ونظيره “الأدائي”، حيث أن السرد، داخل معترك الممارسة المسرحية البديلة، لا ينشد رهانات تمثيل واقع الحال كما هو؛ فالمادة الحكائية  في كثير من الأحيان لا تتحكم في تصريفها مرونولوجية خطية.

وأشار المتدخلون في معرض نقاشاتهم، إلى أن أداء القصص السيرذاتية والوقائع يجسد في العديد من التجارب المسرحية المعاصرة الإمكانيات الهائلة للمسرح السردي، حيث يغزو المسرح الواقع من جديد، ويستفزه انطلاقا من ردم الهوة  بين السرد الذاتي والحكايات الجماعية، الخاص والعام، الجمالي والسياسي…

كما أشار الخبراء خلال هذه الجلسات العلمية، إلى أن السرد المحكي قد يتحول في العديد من الأعمال المسرحية المعاصرة إلى حكي موغل في استعمال الصورة، وهي حامل قد يبدو سهل الاستيعاب، إذ يغازل النظر من حيث هو أسهل أداة تواصلية وهنا، يعيد بعض المتدخلين طرح سؤال الذي سبق أن طرحه بصيغة أخرى في سياق ندوة طنجة المشهدية في دورة “المسرح والوسائط”: هل أبعدت الدراماتورجيا البصرية غالبية الجمهور عن الولع بالحكي المنطوق، حتى وإن تحقق من خلال الميكروفون؟. وجوابا على هذا السؤال، لاحظ المتسائلون، تدافع المؤدين أحيانا نحو ميكروفون ما، من أجل تحقيق وهم ذلك التدفق المفاجئ لدواخل الذات ومعاناتها وانكساراتها، كما هو الحال بالنسبة لـمسرحيتي ‘دموع بالكحول’ أو ‘حادة’ من المغرب… وهنا تحديدا يصبح الميكروفون الآلية التي تمكن من تحقيق عملية البوح، من جهة، ووسيلة الانفتاح على الآخر، من جهة ثانية. وهو في نهاية الأمر أداة وسائطية تذكر مستعمليها بأنهم بصدد مخاطبة أناس آخرين عبر أثير ما…. ومع ذلك، يجب الإقرار بأن التوظيف الواسع الانتشار للمايكروفون في مسارحنا يستفز تدافعنا الهوياتي وطمأنينتنا، ويدفعنا للاعتراف بتأثيرات الآخر، بما فيها الأسلوب مابعد الدرامي. فالميكروفون هو جهاز يحول الموجات الصوتية إلى طاقة كهربائية، ومن ثم، يخلق قناعا صوتيا إلكترونيا يحجب الصوت الحقيقي للمؤدي. وهنا تحديدا نكون إزاء قطيعة مع التمثيل الطبيعي والاندماج. كما أن نص المونولوج، غالبا ما يقدمه الممثلون/ المؤدون وهم في وضعية جسدية ثابتة لا تعكس تعبيرا معينا، وهي وضعية أشبه بالقناع المحايد لدى جاك لوكوك؛ وهذا القناع يزيح الاندماج الكلي في الشخصية..

وقد خلص المتدخلون إلى كون العودة إلى ‘المونولوغ’ و’الجوقة’ في الدراماتورجيا المعاصرة تكتسي أيضا دلالات عميقة، بحيث يعود استعمال المونولوج إلى المسرح الكلاسيكي، وهو وسيلة الكاتب الدرامي للكشف عن اضطرابات وأحاسيس وحالات نفسية ونوايا الشخصية، وهي تفكر بصوت مرتفع، صوت مسموع لدى الجمهور.. دون أن يغفلوا بالإشارة  إلى أن النقد المسرحي لم يطور آلياته النظرية والنقدية في اتجاه التعاطي مع هذه الظاهرة كما هو الشأن بالنسية إلى النقد الروائي.

  • شخصية الدورة: البروفيسور مارفن كارلسن

بحضور المدير الجهوي لوزارة الثقافة، ومندوب وزارة الشباب وعدد كبير من الفاعلين الثقافيين بالمدينة، إلى جانب مختلف وسائل الإعلام السمعي البصري والمكتوب، احتفت “طنجة المشهدية” يوم افتتاح المهرجان 15 شتنبر 2016 بفضاء متحف القصبة بالباحث الأمريكي المرموق مارفن كارلسن، لما أسداه هذا الباحث من خدمات جليلة للمسرح المغاربي والعربي. فإلى جانب ترجمته للعديد من النصوص المسرحية المغاربية إلى الإنجليزية من قبيل مسرحيات الطيب الصديقي، وعبد القادر علولة، وجليلة بكار..، فقد أسس مجموعة عمل المسرح العربي التابع للفدرالية الدولية للبحث المسرحي، وصاحب عشرات المقالات العلمية حول المسرح العربي والمغربي، إلى جانب مجموعة من الكتب، من بينها “مسارح المغرب، الجزائر وتونس” الذي ألفه بمعية الدكتور خالد أمين.

وقد جاء تكريم مارفن كارلسن في حفل افتتاح هذه الدورة الذي تصادف وعيد ميلاده 81، لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي لعبه في تقديم ثقافة المسرح العربي والمغاربي في مختلف المحاوفل الدولية.

  • منشورات الدورة

فعاليات الدورة الثانية عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، تضمنت توقيع مجموعة من الإصدارات الجديدة لمنشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، من بينها: الكتابة المسرحية العربية وأسئلة ما بعد الكونوليانية” للدكتور هشام بن الهاشمي/ الترجمة العربية لكتاب “من مسرح المثقافة إلى تناسج ثقافات الفرجة” للمفكرة الألمانية إيريكا فيشر/  “المرأة في المسرح المغربي: خطابات وتجارب” لحليمة البوخاري/ “جزيرة السلمون و أتراني سعيدا” مسرحيتان لأنس العاقل/  “ليلة بيضاء” مسرحية لبوسرحان الزيتوني/ “حوارات في المسرح المغربي” لعبد الجبار خمران. إلى جانب توقيع “محادثة قصيرة”، وهو آخر كتاب صدر للشاعرة والباحثة الأمريكية مارجوري كانتر.

  • المحور التنموي

حرصا منه على تفعيل أهدافه التي سطرها لنفسه منذ تأسيسه، والتي من جملتها خلق فضاءات غنية بمختلف أنواع البحث، وسعيه إلى إظهار التنوع الثقافي وفنون الفرجة باعتبارها وسائل مساعدة من أجل تحقيق تنمية مستدامة. وحرصا منه على أن تشمل أنشطته الإشعاعية مختلف الشرائع الإجتماعية، فقد ضمن المركز الدولي الدولي لدراسات الفرجة فقرات مهرجانه الدولي طنجة المشهدية ورشتين تكوينيتين؛ الأولى  تحمل عنوان “الصوت منبعا للحكي: محاولة أخرى للبحث المسرحي” من تأطير مختبر لاليش من فيينا، من إشراف الفنانان شَمال أمين ونكار حسيب، وقد استفاد منها مسرحيون محترفون من فرق: افروديت، دهاها واسا، بارطاج.. والثانية بعنوان “إعداد فرجة الحلقة وأداء الحلايقي” من تأطير الدكتور رشيد أمحجور، وقد استفاد منها فئات شابة ينحدرون مختلف ضواحي طنجة.

  • المحور الفني

إضافة إلى الجانب العلمي، فإن المهرجان، وعلى غرار الدورات السابقة، قدم عروضا فنية/ فرجوية مفتوحة لعموم المتتبعين وفي فضاءات متنوعة. وقد بلغ عدد هذه العروض 15 عرضا فرجويا، إضافة إلى ثلاثة أفلام وثائقية.

فبتاريخ 15 شتنبر، وبعد مراسيم حفل الافتتاح قدمت فرقة “مسرح أكون”  من المغرب عرضا مسرحيا بعنوان شوكة، بفضاء متحف القصبة، تلاه عرض LOUBANA لفرقة CORPS SCENE من المغرب أيضا وبنفس الفضاء، ثم عرض سهوف بفرقة سارة مولينا من إسبانيا بمسرح جمعية تبادل.

بتاريخ 16 شتنبر، تم تقديم الفيلم الوثائقي “لسنا أرقاما” للباحثة المصرية/ الألمانية مروة مهدي، قدمت من خلاله صورا وشهادات لوضعية اللاجئات السوريات بألمانية. وفي مساء نفس اليوم، قدمت النجمة المصرية حنان شوقي عرضا مسرحيا بعنوان “خط أحمر” بقاعة مسرح جامعة نيو إنجلند بطنجة. ثم عرض “بلا سمية” للفرقة المغربية داها وسا بفضاء متحف القصبة. فعرض “Je suis une Femme, Moi” من فرنسا، بقاعة مسرح جمعية تبادل.

بتاريخ 17 شتنبر، قدمت الفرقة الأمازيغية تيفيوين عرضا مسرحيا بعنوان “بيريكولا” بفضاء متحف القصبة، بعد ذلك قدمت فرقة نبيل الحلو عرضا مسرحيا آخر بمسرح نيو إنجلند بعنوان “La Chute”، ثم عرض “Prise de parole” لفرقة عبور المغربية بفضاء جمعية تبادل.

بتاريخ 18 شتنبر، عرض كل مختبر لاليش والمؤطر رشيد أمحجور أشغال الورشتين التكوينيتين اللتين انطلقتا صبيحة اليوم الأول من فعاليات المهرجان. حيث قدم شمال أمين عرضا في 20 دقيقة كنتيجة لـ 10 ساعات من التكوين بقاعة مسرح متحف القصبة. في حين قدم رشيد أمحجور خلاصة ورشته بحديقة “رياض السلطان” بمتحف القصبة مباشرة بعد انتهاء نتائج ورشة لاليش.

بعد زوال نفس اليوم، قدم الدكتور حميد العيدوني فيلمين وثائقين، الأول حول محمد شكري لمخرجه ادريس الدباغ من مدينة مليلية السليبة، والثاني من إعداد طالبة بماستر السينما بكلية الأداب بمارتيل.

وخلال الفترة المسائية من نفس اليوم، قدمت الفرقة الإيرانية عرضها الفرجوي “Hirpplyt II” وهي الفرقة التي تديرها الفنانة عائشة الصدر، تلاه عرض “الحريق” الذي قدمه العراقي محمد سيف والمغربي عبد الجبار خمران، ليختتم المهرجان فعاليات بعرض فرجوي من أداء الفنانة المصرية نورا أمين بعنوان “انبعاث”.

شاهد أيضاً

مهرجان طنجة المشهدية يكرم سليمة مومني وعبد العزيز الخليلي في افتتاح دورته 18

منذ أولى دوراته، ومهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، يحتفي برموز الفرجة وفنون الأداء، إن من …

“الجسد الفرجوي”: محور نقاش الدورة 18 لمهرجان طنجة للفنون المشهدية طنجة، 26-30 نونبر 2022

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة الثامنة عشرة من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

التقرير الأدبي 2017-2021

  كلمة لا بد منها 1. مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية (من 2017 إلى 2021) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *