تكمن مسؤوليتنا في قراراتنا حوار إيفا باتكو وسافاس باتساليديس مع باتريس بافيس

ترجمة: عز الدين الشنتوف

باحث ومترجم – المغرب

 

حاورته إيفا باتكو[1]  وسافاس باتساليديس[2]

 

“. . . لم يعد التعليم مؤسسة إنسانية حينما تخلى عن المجانية”

                                                                          باتريس بافيس

باتريس بافيس، أحد أبرز الأكاديميين ونقاد المسرح في العالم. عمل أستاذًا بجامعة باريس 3 وباريس 8، وبجامعة كنت، وبعدد من الجامعات الألمانية، وبالجامعة الوطنية الكورية للفنون. وهو عضو شرفي بجامعة لندن، وحاصل على دكتوراه فخرية من جامعتي براتيسلافا وصوفيا. كتب كثيرا عن إشكالات الاقتباس والترجمة والأداء، مركّزًا دراسته وأبحاثه على السيميولوجيا والتعدد الثقافي في المسرح. نُشرت أولى دراسة كاملة عام 1976 بعنوان Problèmes de sémiologie théâtrale Presses) de l’Université du Québec) ونشرت أعماله الأخيرة سنتي 2016 و2017 على التوالي، وهي: Routledge Dictionary of Performance” / Contemporary Theatre and Performing Korea“.

ومن أعماله المهمة الأخرى كتابه المطول: “المسرح في ملتقى الثقافة، الذي يتساءل فيه عن الرهان السياسي والجمالي، حينما تلتقي الثقافات عند مفترق طرق المسرح. ويضم “معجم المسرح(الذي ترجم إلى 20 لغة) مصطلحات ومفاهيم نظرية وتقنية وسميائية إلى جانب التحليل. ويحلل بافيس في  كتابه “الإخراج المعاصر: مسرح اليوم، الذي ترجم إلى أربع لغات، الدور الذي قام به الإخراج في الإبداع المسرحي وممارسته عبر التاريخ. أما كتابه  معجم الأداء والمسرح”، بطبعاته الأربع والعشرين وبلغات عديدة،  فيقترح خارطة طريق شاملة عبر مسارات متاهة المسرح والأداء، في غضون الأعوام الثلاثين الماضية.

سافاس باتساليديس

ملاحظة: المقابلة من جزأين. أجرت إيفا باتكو الجزء الأول، الذي نشر في الأصل باللغة المجرية، Játéktér [Playing Area]) Theatre Review, 2020 spring issue (10 August 2020), vol. 9, no. .أما الجزء الثاني فأجرته سافاس باتساليدس ، ونشر هنا لأول مرة.

الجزء الأول

لقد نظمتَ في معهد أبحاث المسرح والإعلام بتيرغو موريس برومانيا ورشة دوليةً عن أشكال جديدة للأدائية، ضمَّت أشخاصًا من أربع قارات. إن العولمة جزء لا يتجزأ من المسرح: فلدينا أوراش دولية ومهرجانات وشراكات وإنتاجات أيضا. ولا يرتبط البعد الدولي أو العالمي بالميزانية فقط، بل هو طريقة للتفكير في المسرح اليوم. ومع ذلك، فإن المسارح، في وسط شرق أوروبا، (دون تعميم طبعا) لا تعير اهتماما كبيرا لما يحدث في العالم في إنتاجاتها؛ بل تفتقر إلى حب الاستطلاع تجاه أشكال جديدة للأدائية. ألا ترون في ذلك مفارقة؟

يبدو الأمر كذلك؛ غير أن هذه المفارقة قد تعزى إلى ظروف إنتاج عمل مسرحي في مسرح وطني أو إقليمي. فقد حافظت الهياكل الإدارية، رغم ضعفها وقلة دعمها، على مظاهر عديدة من المسرح في دولة كانت سابقا دولة اشتراكية مثل رومانيا، ومنها: وجود فرقة / شركة فنانين دائمة أو شبه دائمة، ومعرفة ممتازة بحِرف المسرح، وكذا دعم الدولة لأشكال المسرح المألوفة والممارسات المجربة، والدراية التي لا تقبل النقد والتجريب، وتعيد إنتاج نفسها فقط.

هناك تطلُّعٌ إلى أشكال الأداء الجديدة، للتظاهر بالاطلاع الجيد والانفتاح على التجارب الغريبة أو العصرية. وهذا يصدق على وضع الفنانين الشبان، الذين لم يدمجوا في المهنة بعدُ. إن المسارح المكرَّسة منفتحة بطبيعتها على هذه الأشكال؛ لأنها تتوق إلى اقتراح طرق جديدة لممارسة المسرح والتأثير في المجتمع وسياسته. وتتسامح المؤسسة مع هذه الأشكال الجديدة لتبدوَ منفتحةً على الحداثة وداعمةً للشبان الذين لا يلتفت إليهم غالبا.

ولذلك، فإن هذا الاهتمام بالأشكال الجديدة، ما بعد الدرامية أو ما بعد ــ ما بعد الدرامية، عادة ما يكون سطحيا. ويمكن تفسير ذلك أو تبريره، بالنظر إلى “انسيابية” هذه الأشكال: أهي تركيب، أم حدث مباشر، أم أداء خاص بمكان معين، أم مسرحية مبتكرة، وما إلى ذلك؟ وغالبًا ما تتغير صيغ العرض من ليلة إلى أخرى. فما الفرق بين أساليب العمل هذه، إذا كانت مصممة ومبتكرة وموجهة بشكل جماعي؟ من يستطيع أن يجيب؟ ليست البيروقراطية الثقافية قطعا!

ومن هنا نفهم سبب إذعانِ الفنانين الشباب لهذا الاهتمام الظاهري، وشروعِهم في إعادة إنتاج الأساليب والأشكال الموروثة. ومع ذلك، يتزايد الحديث عن مسؤولية منتج المسرح أكثر فأكثر، وهذا خطاب الفنانين الشبان في رومانيا. وفي عالم المسرح الهنغاري، ترتبط المسؤولية عمليا بحرية التعبير عن الذات، وبخطاب حركة #metoo الحالية، وبالمسؤولية تجاه بعضنا البعض. كيف ترى المسؤولية في صناعة المسرح اليوم؟

ليست حركة # metoo سوى مظهر من مظاهر مسؤولية المسرح. ولا ينبغي أن تتجاهل القضايا الأخرى، لا سيما القضايا السياسية، حتى لو كانت كل القضايا مترابطة وسياسية. وتكمن مسؤوليتنا في الإصرار على جعل العالم أكثر مساواة وتوازنًا، وفي الجرأة على استخدام المسرح أو الأدب سلاحين ووسيلتين لفهم عالمنا السياسي والشخصي بشكل أفضل.

بوسع هذه البنية الموروثة لمؤسسة المسرح (الممولة من الدولة أو الممولة محليًا) أن تظل المختبرَ الأكثرَ أمانًا، حيث يمكن لمجموعة من الفنانين البحثُ والاستكشافُ والتطويرُ دون قيود كبيرة. أما في القطاع المستقل، فإن الآجال المحددةَ وتوقعاتِ تسويغ العمل المقدم والتصديق عليه أمر إلزامي. يمتلك أحدهما كل الوسائل للإبداع بحرية، فيما يمتلك الآخر حرية الإبداع بوسائل قليلة. ولذلك يتصارعون بدلاً من دعم بعضهم البعض، أو تجاهلهم لبعضهم، وهو موقف لا يقل عداءً.

لنأخذ الوضع الحالي للدولة الفرنسية أو للمسارح الإقليمية. تشتدُّ، في الوقت الراهن، صراعات بين الفريق الفني والموظفين العاملين في المسرح بعقد دائم، في عدد كبير من هذه المسارح؛ إذ غالبًا ما ينشب صراع أو إضراب بين المجموعتين. وعلى سبيل المثال، فإن  المديرة الفنية ماري ــ خوسي ماليس والمدير الإداري للمسرح البلدي بأوبرفيلييه في قطيعة تامة. إننا نواجه بيروقراطية متزايدة (كما هي الحال بالنسبة لميزانية فريق العمل)، فيما يفتقد الفريق الفني القولَ الفصلَ. إن عددا من المخرجين الذين كانوا يديرون مؤسسات الدولة (مثل غييلا نغوين أو غوسلين أو غروزفو) يتركون الآن النظام العمومي، باحثين عن فضاءات بديلة، كفضاء “الأقمشة” وفضاء “المسرح الثالث”.

يعد الخروج من منطقة الرفاه بمثابة استفزاز ذاتي لعدد من الفاعلين المسرحيين، لأنه يبقي المرء متيقظًا ومنتعشًا. هل تخرج من منطقة الرفاه الخاصة بك؟

يعد الخروج من منطقة الرفاه الخاصة بك أمرًا ضروريًا في الفنون والعلوم الإنسانية. وقد يعني تغيير وجهة بحثك باستخدام أفكار جديدة، وبالنظر إلى طرق معالجة القضية التي تتعامل معها في سياق أو شكل فني أو مجال آخر. لا شك أن الأمر بالغ الصعوبة، إذا كنت ترغب في ترك وظيفة مريحة ومربحة من أجل متابعة عمل تجريبي. يجب أن يكون التحدي تدريجيًا، وليس مفاجئًا وخطيرًا. يتعلق الأمر، بالأحرى، بتحدي نفسك في نمط تفكيرك واقتناعاتك ومعتقداتك.

أنت تدرِّس في قارتين، وتؤطر ورش عمل دولي في العالم. في رأيك، بم يهتم الفاعلون المسرحيون الشبان (والطلاب) في نظرك؟ من المؤكد أن تغيير العالم هو الهدف في الوقت الراهن، ولكن ألا يزال السياق السياسي قائما؟ وهل يحتاج الفنان إلى اتخاذ موقف؟

سؤال جيد! كل هذا رهن بالمكان الذي يوضع فيه السؤال؛ ولكن هناك في الأساس طريقة مشتركة، وربما عالمية، لصناعة المسرح من أجل التعبير عن الذات، واتخاذ موقف من كل القضايا، والمشاركة في عمل فني. ومن الراجح أنهم منشغلون باختراع عوالم مضادة. نعم، يُعدُّ تغييرُ العالم أو حتى إنقاذه من الدوافع المتواترة. ويعكس هذا اهتمامًا متجددًا بالتغيير السياسي، كما أن المنظور البيئي يجعل المقاربة السياسية أكثر إقناعًا وضرورة من ذي قبل (من السبعينيات إلى التسعينيات).

نشرتَ خبرتَك التدريسية في المجلة البرازيلية للدراسات المعاصرة: إن تراجع حرية الاستكشاف الذي لاحظته طوال حياتك بمختلف الجامعات يدعو إلى التأمل. وموجة التقيد بالمعايير [المفروضة] قد وصلت عتبات [مؤسسات التعليم العالي] في الجزء الشرقي من أوروبا أيضًا.

هذه حال النظام الليبرالي الجديد الذي يفرض على الطلاب دفع رسوم باهظة للدراسة، ويتعامل معهم  بصفتهم زبناء، يمتلكون جميع الحقوق، بما في ذلك تحديد علاماتهم ومحتوى وبرنامج العُدة التعليمية. أصبحت الكلية مجرد متعهد خدمة، ففقدت بذلك مطلق حريتها. ولم يعد التعليم مؤسسة إنسانية حينما تخلى عن المجانية.

يبدو أن الاتحادات الدولية بين الجامعات تسعى إلى هذا الجانب الإنساني في التربية الفنية، لأن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تعمل بها، حقًا، هي سيادة العلاقة الإنسانية بين جميع المشاركين في الحياة الأكاديمية: طلابًا ومدرسينَ وموظفين. التعلم من بعضنا البعض هو أداة خلاقة في ما نقوم به.

ولكن، هل نعمل معًا حقًا في مجال البحث النظري أو في العملية الإبداعية؟ لا يحدث هذا إلا في الشركة التي اعتاد الأشخاص أنفسهم على العمل معًا في إخراج العرض أو تصميمه.

المحظوظون في ممارسة المسرح في هذه الظروف قلة. يجب أن تكون هناك إجابة مشجعة لمن يروم الإبداع، دون أن تكون له علاقة بأي شركة أو مجموعة.

هذا أكيد، فهناك طرق أخرى لممارسة المسرح. ومع ذلك، فإن العمل معًا في شركة أو مجموعة أو ضمن لفيف من الممثلين أسهلُ؛ إذ بوسع المرء أن يستند إلى تجربة الإبداع والتطوير جنبا إلى جنب. وهذا يعني العملَ على المدى الطويل، وعدمَ الاكتفاء بعمل يعقبُه الاختفاء. وهذا رهن بنوع المسرح الذي تريد إقامته، وبالآفاق السياسية أيضا.

لا يزال اتجاه إحياء النص فوق الركح قويا. ففي فرنسا، على الأقل، يتخذ المؤلفون والفاعلون المسرحيون موقفًا مؤيدًا النص. هل تذكر بعض المؤلفين؟

يوجد مؤلفون شبان كثرٌ، ولكن يصعب علي، الآن، إصدار حكم قويم. أذكر: جويل بوميرا، وربما ألكساندرا باديا من رومانيا، و جون شارل ماسيا، وكاثرين آن.

وكيف جئت إلى الكتابة المسرحية؟

شعرت، عقب نهاية مسيرتي الجامعية، أنني مؤهل (دونما تورية) لأكون مؤلفًا، أي أن أكتب بعض النصوص. وكنت أشعر قبل ذلك، أنه لا يمكن للمرء أن يكون باحثًا وفنانًا في الآن نفسه، نظرا لضيق الوقت من جهة، ولاعتقادي بأنهما عالمان مختلفان، يجب أن يظلا منفصلين من جهة أخرى. أضف إلى ذلك أن المسرح يدرس في الجامعة بوصفه موضوعا تاريخيا ونظريا وليس مهنة فنية. هذه هي مهمة معهدٍ موسيقي أو مدرسةٍ (أو أكاديميةٍ) للمسرح. ربما لم يعد لهذا الفصل أي مبرر؛ ولكن إشكال الجمع بين البحث المسرحي والتأليف لا يزال قائمًا: إنها مسألة وقت وموقف تجاه الحياة. ومع ذلك، إذا تمكنتَ من القيام بذلك، وشعرتَ أن النشاطين غير متناقضين، فلا بأس بذلك، وسيكون مفيدًا لكلا المجالين.

الجزء الثاني

“. . . تنطوي المهرجانات والإنتاجات الدولية الكبيرة على جوانب سلبية عديدة في مهنة المسرح: إغواء بأي ثمن، وإدارة بطريقة مؤسسية، والقيام بأداء فوري فعال لا يترك ندوبًا دائمة في الذاكرة”.

باتريس بافيس

شعرت، وأنا أقرأ حوارك مع إيفا، بالحاجة إلى طلب المزيد الأسئلة التي أعتقد أن لها صلة بما كنت تناقشه: وخاصة وضع المسرح المعاصر. إننا نعيش في عصر يحب بيع كل ما هو “جديد”: الآيفون الجديد، السيارة الجديدة، الحاسوب الجديد. وهذا ينطبق على المسرح أيضًا، وخاصة المسرح الذي يقوم به الشبان ويستهدفهم. وليس عيبًا أن يجتهد معظمهم في تقديم الجديد؛ بل هو جزء حيوي من العملية الإبداعية. ومع ذلك، أتساءل، في أحيان كثيرة، عما إذا كان هذا الهوسُ بـ “التجديد”، وهذا الاختراقُ اللافتُ للحدود حاجةً نابعةً من داخل العمل الفني نفسه، أم حاجةً تحددها متطلبات السوق، ويحددها الضغطُ من أجل التجديد المستمر، توافقا مع منطق الموضة في البيع، أو توفيقا بين الدوافع [الفنية والتجارية]؟

تتعدد وتختلف معاني “الجِدّة” أو “الابتداع” في نصٍّ أو في أداء (درامي). ويحاول أيُّ عمل فني جديد، في الحداثة الغربية، ألا ينسخ عملا فنيا آخر؛ بل يسعى جاهدا لتحقيق بعض الأصالة، في الموضوعات والأساليب والقصة المروية والدراماتورجيا، وغيرها. ومع ذلك، هذا لا يعني أنه يجب أن يحرز تقدمًا مماثلا للتقدم التقني أو الابتكار العلمي. يُظهر تطور المسرح، في بعض الأحيان، قطيعةً معرفيةً، عندما ينبجس اتجاه جديد، سواء أكان في طريقة الحكي والعرض وأداء الممثلين، أم في موقع المسرح ضمن مجموع وسائل الإعلام. وما ننتظره من الإنتاج الجمالي اليوم، هو قصة جديدة، وطريقة جديدة في الحكي، وأسلوب جديد في التمثيل، وإطار جديد للتلقي. وليست “صيحة الموضة التي تعرض للبيع”، حسب تعبيرك، سوى وسيلة للتحايل وخدعةٍ، تبدو جديدة للمتفرج العادي، وهذا ما يجعل الجمهور يعيش ما يعرفه دائمًا، مكتفيا بتعرفه واستهلاكه، بوصفه فن الموضة، دون مسافة نقدية. ويؤدي ذلك إلى إذعان ونزعة أكاديمية قاتلين. يحب الناس الحصول على نفس المحتويات والأشكال القديمة (أفكار، أطروحة، تأويل)، مادامت “ملفوفة” في حزمة “جديدة” عصرية وحديثة. [ويصدق هذا] في المسرح أيضًا.

عطفًا على السؤال السابق. كان الفنانون، قديماً أو لنقل على عهد الطليعة التاريخية، يتمتعون بهامش للتعبير عن نقدهم المضاد. هل تعتقد بوجود هامش يُمكِّن الفنانين من البقاء، دون استجداء المال من الشركات والممولين، في ظل الاتجاهات الشاملة للعولمة والاقتصاد الليبرالي الجديد؟ أتحدث عن المال؛ لأنه يحدد درجة استقلالية الفنانين ودرجة توافقهم. دعني أسألك سؤالاً آخر قبل أن تجيب: لقد تتبعتَ مسير المسرح المعاصر لما يناهز أربعة عقود. هل تعتقد أن وظيفته الاجتماعية قد ضعفت اليوم ؟ وماذا عن الكياسة السياسية (PC) وتأثيرها؟

لا تزال بعض البلدان الديمقراطية القليلة تكفل حقَّ الفنانين في انتقاد الدولة بشدة، رغم أنها  تمول وتدعم الفرق المسرحية. ومع ذلك، يبدو أن ردود أفعال الفنانين تتراجع سياسيا، في بلدان أوروبية عديدة، باستثناء مواقف عدد قليل من المجموعات أو المؤلفين أو المخرجين، أمثال ميلو راو، أو ريميني بروتوكول أو ستيفانو ماسيني. وبوسع الفنانين أن يقولوا أي شيء، ما داموا ملتزمين بـ (PC) ( ليس “الحزب الشيوعي”؛ بل الكياسة  السياسية، أو لنقل TPC (“الكياسة المسرحية والأدائية”؟). ويكاد يكون تأثيرهم في المجتمع معدوما. ولم يعد أحد يهتم بتحدي الوضع السياسي الراهن، وبجمهور الطبقة الوسطى، حتى المخرجون المسرحيون أنفسُهم، ويبدو أن المسرح لم يعد قادرًا على تغيير الحياة السياسية، أو التأثير فيها على الأقل.

أصبحت الليبرالية الجديدة والعولمة وانتشار الشعبوية قوية ومسيطرة بشكل مفرط في عدد من البلدان، بحيث لا تكاد تشعر بتهديد وتحدي أيِّ عرضٍ مسرحي. قد تكون منظمة غير حكومية أكثر انتقادًا ونشاطًا وقوةً من المسرح المعاصر، لاسيما إذا كانت تستخدم عناصر مؤثرة (تستعيرها منا، نحن أهل المسرح!).

إن الهوس بالكياسة السياسية لا يساعد المسرح (والفنونَ عامةً)؛ ولكنها قد تصيب المسرح في مقتل. وقد يُعدُّ أيُّ عنصرٍ لفظيٍّ أو بصريٍّ في عرض مسرحي مُوجَّهًا ضد PC، بحجة عدم امتثاله لقوانين PC، فيُقاطَع الإنتاجُ ويُمنعُ؛ ولكنه يظل في حال الكمون، اتقاءَ الهجوم والتدمير القاتليْن.

تتكاثر المهرجانات المسرحية (في أوروبا على الأقل) أو لنقل، على وجه الدقة، إنها كانت كذلك قبل ظهور COVID-19 المخيف. كانت المهرجانات (ولا تزال) أفضل معين لعشاق المسرح وممارسيه، لمعرفة ما يجري في المسرح بالعالم أجمع. ولكنني أشعر، في الوقت نفسه، أنه رغم ثرائها الكمي الذي لا جدال فيه، لا تبين الثراء ذاته من الناحية الجمالية. ما أعنيه هو أن المهرجانات تروج، عن غير قصد، لخطاب “التماثل الجمالي” بوصفه خطابا متجانسا، يؤثر حتما الممارسات المسرحية الوطنية أيضًا، بدل التشجيع على إثراء تباين الثقافات المسرحية. قد يبدو الأمر تعميما شاملا. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى ما (كان) يحدث في بلدان مختلفة (على الأقل في أوروبا)، فسنرى أن هؤلاء الفنانين المهتمين بدخول دائرة المهرجانات يعرفون، بصيغة أو بأخرى، أنه يتعين عليهم مسايرة ما يعتبر “موضةً” أو “جذابا” أو “قابلا للتسويق دوليًا”. يضحون بالوطني (المحلي)، أو “ينتقصون” من قدره من أجل العالمي (والعالمي) بطريقة ما.

أريد بقولي هذا أن أعرف ما تصوراتك عن نمط اشتغال المهرجانات في السنوات القليلة الماضية؟ لا أزج بالوضع الحالي في مناقشتنا؛ لأنني أعتقد أنه من السابق لأوانه معرفة ما سيحدث بعد ذلك في حقبة ما بعد COVID-19.

إننا نشهد بالفعل؛ لكنها ليست دائما ظاهرة إيجابية. قد يكون من الجيد أن نبين للجمهور الخبير كيف يقدم المسرح في مكان آخر، وأن نشير إلى مآل المسرح (في أسليب أو بلدان مختلفة). قد تكون مثل هذه المهرجانات متعة حقيقية بالنسبة إلى نقاد المسرح وطلابه وأساتذته؛ ولكن – وهنا أتفق معك يا سافاس – هناك خطر توحيد معايير المسرح وعولمته وتبسيطه من أجل إنتاج عرض “قابل للنقل”.

تستلزم المهرجنة، أيضًا، تركيز المتفرجين على عدد قليل من “المشاهدات” في أيام قليلة، غير أن مشاهداتهم للمسرح والفن “في المنزل” تظل ضعيفة بقية العام. وبهذا تتضاءل إمكانية تكوين وتدريب الجمهور عامًا بعد عام.

ماذا تقترح؟

أوصي بزيارة منتظمة إلى مسرحك المحلي كل أسبوع (أو على الأقل كل شهر)، بدل تخمة العروض من جميع الأنواع خلال يومين أو ثلاث. وهكذا، سيكون للمسرح وقت لينضج عند كل المتفرجين.

بعد أن غطيت مهرجان أفينيون حتى عام 2012 (بشكل متواضع، وإن كان بطريقة متخمة في بعض الأحيان)، أفضل الآن زيارة المهرجانات الصغرى في بلدان أوروبية مختلفة، في مدن مثل نيترا، براتيسلافا، غدانسك ، بلغراد أو ليوبليانا. وغالبًا ما يشعر الإنتاج المسرحي المحلي أو الوطني بعقدة نقص تجاه الإنتاجات المشتركة والمهرجانات ومعارض الأزياء الدولية. غالبًا ما يخجلون من كونهم “عالقين” في ممارسات محلية أو محدودة، وغير عالميين بما فيه الكفاية، وغير مؤهلين للمهرجانات. ولكن، قد يكون العملُ المحلي، والبدءُ من نقطة الصفر، والتجريبُ من أجل جمهور محلي أصيل، واختبارُ طرق جديدة في التمرين والإخراج، والعملُ بالتعاون الوثيق مع مختلف الفنانين، تجربةً إبداعيةً أساسية في حقيقة الأمر.

ومقابل ذلك، تجر المهرجانات الكبيرة والإنتاج الدولي جوانب سلبية عديدة لمهنة المسرح: كالإغواء بأي ثمن، والإدارة بطريقة تعاونية، والقيام بالعرض الفوري الفعال الذي لا يترك ندوبًا دائمة في الذاكرة.

[1] – إيفا باتكو (دكتوراه) مخرجة مسرحية. تدرس في جامعة الفنون في Tg-Mures Târgu Mureș  برومانيا. وهي خريجة فولبرايت بجامعة كاليفورنيا، بيركلي. تنصب أعمالها وأبحاثها الرئيسة على الدراما المعاصرة وقضية الهوية.

[2] – سافاس باتساليديس أستاذ مسرحي بجامعة أرسطو (ثيسالونيكي ، اليونان) وبمدرسة الدراما بالمسرح الوطني لشمال اليونان. وهو أيضًا رئيس تحرير مجلة Critical Stages.

شاهد أيضاً

مهرجان طنجة المشهدية يكرم سليمة مومني وعبد العزيز الخليلي في افتتاح دورته 18

منذ أولى دوراته، ومهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، يحتفي برموز الفرجة وفنون الأداء، إن من …

“الجسد الفرجوي”: محور نقاش الدورة 18 لمهرجان طنجة للفنون المشهدية طنجة، 26-30 نونبر 2022

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة الثامنة عشرة من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

التقرير الأدبي 2017-2021

  كلمة لا بد منها 1. مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية (من 2017 إلى 2021) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *