الثقافة المسرحية العربية ومأزق المرجعيات المستعارة (دراسة مهداة إلى عبد إبراهيم)

  • د. خالد أمين

“إن نقد الذات ونقد الآخر ممارسة توسع من مجال الاختلاف، وتوفر إمكانية تتجاوز بها الثقافة العربية الحديثة ضروب التماثل والتطابق التي تعيق حركيتها، وتبطل فعاليتها، وتعيد إليها وحدتها، بعد أن انقسمت إلى تيارات متعارضة لا يمكن لها في نهاية الأمر إلا أن تسهم في إضفاء نوع من العدمية على ثقافة تعجز عن مناقشة إشكالياتها الخاصة بها.”

(عبد الله إبراهيم، المطابقة والاختلاف 1997، ص: 11)

عتبة

في كتابه القيم “الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة” يكشف عبد الله إبراهيم عن حقيقة مؤداها أن تضارب مرجعيات وأنساق الثقافة العربية الحديثة “يمتثل لمعادلة الإقصاء والإستبعاد من جهة، والاستحواد السلبي من جهة ثانية.”[1] وقد أفضى هذا التضارب إلى بروز ثقافة “المطابقة” عوض ثقافة “الاختلاف”؛ إذ أصبحت الثقافة العربية تندرج في علاقة ملتبسة يشوبها الإغواء الأيديولوجي مع “الآخر” و”الماضي” بحيث أصبح حضورهما “استعارة جردت من شروطها التاريخية، ووظفت في سياقات مختلفة”.[2]  وكانت نتيجة هذا الإغواء هي السقوط في تأورب مطلق من جهة، أو اغتراب في الماضي من جهة أخرى؛ وكلاهما مساران بحاجة إلى نقد مزدوج، كما اقترح عبد الكبير الخطيبي.

يؤكد عبد الله إبراهيم في قراءته الدقيقة لمسارات تشكل مسألة المماثلة بين أوروبا ومصر في فكر طه حسين ما يلي: “كان طه حسين الباحث والناقد، وبصفته الريادية، من أوائل الذين دشنوا للإشكالية الفكرية/المنهجية التي ستتعاظم مع مرور الزمن، وهي إخضاع الذات، بجوانبها المتعددة، ومظاهرها المختلفة، لمعيار غربي، والنظر إليها من منظور الآخر، والبحث فيها، تكونا وماهية من خلال رؤية غربية وبوسائل غربية..”[3]  والعلة في ذلك هو اعتبار طه حسين “الشرق القريب” “امتدادا طبيعيا لمجال الغرب من ناحية ثقافية مند الرومان.”[4] سيتعاظم هذا الاتصال بالغرب مع محمد منذور الذي كتب في المسرح أيضا وآخرين إلى يومنا هذا… كما ستتعاظم دعوات القطيعة مع الغرب من جهة، ودعوات العودة إلى “الأصول” من جهة أخرى، وهي أيضا ( أي الأصول) “قضية أيديولوجية أكثر مما هي تاريخية، إنها في جوهرها أيديولوجيا مختلفة تصطنع لخدمة صانعها، فالعلاقة مع الماضي لابد أن تكون شفافة وخالية من التعظيم والتأثيم.”[5]

فيما يلي سأحاول عرض بعض تجليات المركزية المسرحية الغربية وتوسيع دائرة سؤال المطابقة والاختلاف من منظور الدراسات المسرحية في عالمنا العربي  مستحظرا السؤال الجوهري الذي طرحه عبد الله إبراهيم في 3المطابقة والاختلاف”: “ما هي الأسباب التي تجعل الثقافة (المسرحية) العربية الحديثة تتصف بالاستجابة السلبية للثقافة الغربية؟”[6]

الحداثة المسرحية الغربية وسطوة الحالة الاستعمارية Coloniality

غالبا ما يعد المسرح فنا أوروبي المنشأ؛ انبعث في اليونان القديمة وانتشر في مختلف أنحاء المعمور. ولكن البحث في أصول التراجيديا والكوميديا يؤكد عكس هذا التصور المتمركز. هناك جيلبرت موراي (الشديد التأثر بكتاب الأنتروبولوجي الأسكتلندي جمس فريزر تحت عنوان “الغصن الذهبي” The Golden Bough) الذي عد الكوميديا احتفالا بزواج الآلهة والخصوبة الناتجة عن جمعهم السعيد؛ بينما اعتبر التراجيديا نعي لموت إله ما وعادة ما تحدث في الخريف… وهناك أيضا Gerard Frank Else الذي اقترح نظرية بعيدة عن طقس ديونيزوس معتبرا التراجيديا نتاج إبداعين متعاقبين لتيسبيس وإسخيلوس… إن ولادة التراجيديا في اليونان القديمة قد مرت عبر مراحل معروفة ومدروسة بعناية بدءا من المعلم الأول أرسطو؛ ولذلك استلزامات أخرى أهمها فرض العصر المسرحي اليوناني القديم بوصفه الأصل الذي لا محيد عنه في ممارسة أي فعل مسرحي. إنه المرجع الصامت والمعلن الذي فرضه الغرب على سرده محلي. ولكن،  نحن مطالبون لإعادة النظر في الكثير من اليقينيات المرتبطة بالولادة المحتملة لتراجيديا والكوميديا…[7] أعيد تملك طقس ديونيزوس والمراحل المتنوعة لتطور التراجيديا كما نظر لها المعلم الأول أرسطو، وفرضها بالقوة أكثر النقاد المسرحيين الغربيين تأثيرا، بوصفها أساس الفن المسرحي الجديد الخاص بالأوروبيين وحدهم من دون سواهم. ومن هنا، أصبحت بنية الحضورـ المسندة إلى العصر المسرحي الأوروبي الأول ـ مهيمنة في الدوائر الأكاديمية على أساس أنها كونية (وواقع الحال أنها موغلة في المحلية، لأنها مجرد سرد محلي). ولم يكن طقس ديونيزوس على الرغم من ذلك متأصلا في سيسيون Sicyon، وإنما أدرج هناك بوساطة كليثينيس Cleithnes مثلما أدرج ـ قبل ذلك ـ إلى أتيكا Attica وناكسوس Naxos، وجرى فرضه على حساب طقس الملك القديم أداستوس Adastus   الذي تحول قبره إلى فضاء مقدس لطقوس عبادة الميت. كما لم تكن صيغة ديونيزوس الطقوسية إغريقية في الأصل، وإنما وصلت إلى اليونانيين في حدود القرن الخامس قبل ميلاد المسيح. هكذا تطورت التراجيديا بفعل تناسج مضمر لثقافات فرجوية مختلفة يصعب فرزها جراء انصهار مكوناتها وتحولها لتعطينا في نهاية المطاف شكلا فرجويا هجينا سٌوق على أنه الأصل الخالص للفن المسرحي. فإذا كان الطقس الديونيزوسي من الأصول الشرقية البعيدة التي لم تكن بموجبها التراجيديا الإغريقية مجرد إنتاج للممارسات الفرجوية الديثرامبية الآسرة، فإن ادعاء الأصل والاكتمال مغالطة ينبغي أن توضع قيد المساءلة مع وجوب إزاحتها بطريقة كلية خاصة وقد تم تكريسها لأمد طويل وبإعجاب كبير على امتداد تاريخ الأدب المسرحي؛ إذ كرست هذه النظرة التاريخ المحلي الإغريقي والروماني من بعده كأنه تاريخ إنساني. ويلاحظ  الباحث الإنجليزي من جامعة كابريدج  William Ridgeway -في بداية القرن العشرين  1915، في سياق مناقشة تاريخ الأدب المسرحي أن ما “قام به المؤرخون من دون استثناء ـ إلى حدود سنوات قليلة فقط ـ بتركيز اهتمامهم حول انبعاث الدراما الإغريقية وتقليدها في روما، بدءا بمسرحيات الأسرار، ومرورا بمعجزات المسيحية الوسطوية وإعادة إحياء الشكل الكلاسيكي، وانتهاء بتطورها المدهش في مسرحيات كريستوفر مارلو Christopher Marlowe  وشكسبير Shakespeare وكالديرون Calderon  وكورناي Corneille وراسينRacine قد استندوا إلى المنطق القبلي للجماليات، بدلا من بحثهم عن أصل المسرح من خلال التطبيق الصارم لمنهج تاريخي واستنباطي.[8]  

سيتفاقم نفس التمركز الأورو-أمريكية أواخر القرن التاسع عشر لتكرسي هيمنة النموذج الغربي من خلال استغلال آليات اشتغال الفرق الشرقية التي كانت تزور لمعارض الكولونيالية أو أثناء الجولات الفنية المشابهة. خلفت اللقاءات الأولى الكثير من الدهشة والتساؤل وسوء الفهم… أقر النقاد  والمسرحيون الغربيون بقوة الأداء الأسيوي دون التمعن في إواليات اشتغاله وفلسفات عمله.. فأصبح المؤدي الأسيوي نموذجا لتحقيق رهان ‘الممثل الشامل Total Actor.  لكن، مع بداية الستينات من القرن العشرين بدأت الرحلة الميدانية/المختبرية للمسرحيين الغربيين اتجاه الشرق خاصة مع باربا وغروتوفسكي… إنها رحلة التعلم والنهل من خبرات الجسد الفرجوي الشرقي. فخرجـت أهـم إنجازات المسرح الغـربي المعـاصر مـن معطـف الرحلة الشرقيـة: كيـف ينبغـي، إذن، تمثـل هـذه الرحلة من وجهة نظرنـا نحن، هنا، الآن؟ هـل هـي تمرد (مـن الداخل) عـلى المركزيـة الغربيـة وبنيـات التفكير المثالية/ الماهوية المرتبطة بها؟ أم هي اتساع لمساحات المركزية الغربية لاحتواء آخرهـا ومحو اختلافـه؟ فهـذه حقيقـة يقـر بها حتى دعـاة مسرح المثاقفـة؛ مثل الباحـث الفرنـسي باتريـس بافيـس، الذي يقـول في هـذا الشأن: “إذا كان هنالك خطاب يجب أن نسعى إلى تجــاوزه، فهـو التمركـز الأوروبي المنكفئ الـذي يجعـل مـن أوربا حصنا منيعا ضدا عـلى ّ أي شكل مـن أشكال المثاقفــة مع آخرهـا.. لقـد كان اسـتشراف آفـاق المثاقفـة خارج مدار المركزية الأوروبية رهانا إسـتراتيجيا لحل مشاكل المسرح المعاصر.” [9]

بطبيعة الحال، يقـر بافيـس هنا بالمنطـق البرغـماتي الـذي خضعـت له عملية المثاقفـة المسرحية الغربية المعـاصرة. فاللقـاء المسرحي الغـربي مع آخره الشرقي، بالإضافـة إلى اختزاله لآخره ضمـن فضاء طقــوسي بدائي ما قبل مسرحي، كان همه الأساس هـو إيجاد حلول لمـأزق الممارسة المسرحية الغربية وبنياتها المنغلقـة ضمن مصوغات الواقعية الطبيعية، وذلـك من خلال الانفتاح عـلى رحابة صناعة الفرجة الأفرو-أسـيوية وروحانيتها التي تسمو بطاقـة الممثلين/ الفاعلـين وتوحـد وجدانهـم في نطـاق الفرجة المسرحية. والحال أن تلقي الثقافـة المسرحية الأخـرى لا يمحـو الثقافـة الأصليـة، بـل تظـل هـذه الأخـيرة توجـه التبادلات الرمزيـة والماديـة بشكل غـير معلن… هـذا ما حذا بالمسرحيين الغربيين إلى إفراغها أحيانا من سياقاتها الفرجوية والثقافية وتطويعها؛ بل إخضاعها لبنيات فرجويـة مغايرة مـن حيث الشكل والمضمون وكذلك سـياق التحقق أو الإنجاز الفعلي عـلى شكل فرجة مسرحية.

وفي سياق انجذاب عدد من المسرحيين الغربيين نحو الشرق، أصبحنا أيضا نلاحظ ثمة نزوع متزايد لعدة مسارح من ثقافات مختلفة ومتنوعة لتبني عناصر فرجوية تنتمي لثقافات مسرحية أخرى. فالإرلندي وليام باتلر ييتسW. B. Yeats   والفرنسي جاك كوبو Jacque Copeau  التجئا في بداية القرن العشرين إلى مسرح النو الياباني لاقتراح دراماتورجيا جديدة؛ كما التجأ كوردن كريك Edward Gordon Graig  إلى الأقنعة الأفريقية. واستلهم ماكس راينهارت  Max Reinhardt مسار الورد الذي يربط الخشبة بالجمهور في الزاوية اليمنى من المسرح في تقليد الكابوكي والمعروف في اليابان بـ hanamichi ، وذلك في محاولته لإعادة النظر في الترتيب المسرحي البرجوازي قبل تلميذه بريشت الذي تأثر هو الآخر بجماليات الأداء الشرقية وخاصة عملاق أوبرا بيكين ماي لانغ فان الذي شاهده لأول مرة بموسكو سنة 1935. لقد أعجب راينهارت وشارل دولان وآخرون بمفهوم الفضاء في المسرح الياباني؛ فوجدوه شكلا مخالفا للترتيب المسرحي الغربي المعلب والمحكوم بالجدار الرابع. ومن ثمة، أصبح هذا الشكل نموذجا للمسرح الجديد. من هنا، اعتمد مايرهولد وبريشت وأرطو في سعيهم لتحقيق علاقة جديدة بين الخشبة والصالة؛ وبالتالي تحقيق أشكال جديدة من التلقي المفترض على أشكال مختلفة من المسارح الأسيوية الشرقية.

أما بيتر بروك، فقد جرب في العديد من المناسبات الرقص المسرحي للكتكالي الهندي، ذلك المسرح العريق في التقاليد الفرجوية الهندية والذي ينتظم دائما على شاكلة مشاهد درامية مستمدة من الملحمتين الهنديتين الشهيرتين وأهم النصوص المقدسة بالنسبة للهندوس: ملحمة مهابراطا وملحمة راماياما. يقول بروك في مطلع كتابه الشهير “المساحة الفارغة”: “يمكنني أن آخذ أي مساحة فارغة وأسميها خشبة عارية. يقتحم رجل ما هذه المساحة الفارغة بينما يشاهده آخر، فهذا كل ما أحتاجه لتحقيق الفعل المسرحي.”[10]  ولكن، هل توجد حقا مساحة فارغة؟ لقد أثار إنتاج ‘ماهابراطا‘ (اقتباس Jean-Claude Carrière  وإخراج بيتر بروك)، والذي قدم لأول مرة في مهرجان أفنيون سنة 1985 خلال تسع ساعات طوال، نقاشا حادا عن مدى فراغ المساحة التي تمت فيها إعادة صياغة ماهاباراطا بحمولاتها الثقافية والدينية. فرغم أن بروك يشتغل مع مجموعة هائلة من الممثلين من ثقافات ولغات مختلفة، إلا أن الكل يشتغل باللغة الإنجليزية (لغة الشيخ بروك)، والكل يأتمر من طرف بروك المدير الفني والموجه الحقيقي لمسارات استنبات ماهاباراطا في مساحته الفارغة المزعومة: “فلما يضع بصماته على العمل، لم يعد هؤلاء ينتمون إلى ثقافاتهم بقدر ما يصبحون جزءا من عالم بيتر بروك

ولعل أهم نقد وجه لبروك خلال فترة حروب المثاقفة  Intercultural war  هو كتابات الباحث الهندي روستم باروتشا  Rustom Bharucha التي خلصت إلى أنه يستحيل عزل ملحمة ماهاباراطا من النص التراثي العريق أو حتى التمظهرات الفرجوية المرتبطة بهذه الملحمة على اختلاف المدارس الهندية. لقد كان روستم باروتشا من أشد منتقدي بروك وأكثرهم جرأة وشراسة؛ كما يعتبر كتابه “المسرح والعالم”[11] من أهم السجلات التي تؤرخ لهذه المرحلة من النقاش الحاد في الأوساط الأكاديمية والفيدرالية الدولية للبحث المسرحي بخاصة. وواقع الحال، لقد ساهم نقد روستم باروتشا لبروك في إثارة الانتباه إلى المنحى الاستشراقي والفولكلوري للكثير من التجارب المسرحية الغربية التي اعتمدت بعض الصيغ الفرجوية القادمة من الآخر الشرقي/ الجنوبي. معلوم أن ماهاباراطا كانت مجرد محطة ضمن مسار بروك الحافل بفلسفة المثاقفة ضمن مشروعه الحالم للبحث عن لغة مسرحية كونية. فاشتغاله في ‘منطق الطير‘  Conference of the  Birds  التي قدمها بمهرجان أفنيون لسنة 1979، مستلهم من منظومة ‘منطق الطير’ لأحد أكبر أئمة التصوف الإسلامي، الفارسي فريد الدين العطار. فقد تطلب إنجاز هذا العمل الضخم التنقل عبر الصحراء الأفريقية والتشبع بطقوسها وفرجاتها لمدة سنتين من 1972 إلى 1974، وبعد ذلك إقامة فنية في El Teatro Campesino  بكاليفورنيا بفريق متعدد الجنسيات اعتمد عليه بيتر بروك.

باختصار، لقد أثار نقد باروتشا قضايا في غاية الأهمية –في سياقنا الحالي- مثل المثاقفة والمناصفة، ومدى تأثر المثاقفة بفعل سيرورة العولمة، ومدى استقلاليتها عن إيواليات اقتصاد السوق. ذلك أن فعل المثاقفة أصبح ممكنا فقط من خلال تبادلات غير منصفة في العمق، وخاضعة لقواعد لعب غير سليمة. وعموما، اتجهت الرحلة المسرحية الغربية نحو الشرق صوب استغلال وتبني الأشكال الفرجوية غير الغربية خدمة لكونية مزعومة. والحال، أنها كرست الانجذابات الثقافية الأٌمبريالية أكثر من العمل على تقويضها، وذلك من خلال نقل أشكال تعبيرية بعينها إلى بنيات الإنتاج المسرحي الغربي بمعزل عن  مراعاة سياقات تحققها- وهذا في جوهره تمظهر للحالة الاستعمارية.

وهذا النوع من المثاقفة المسرحية المهيمنة لا يزال مستمرا إلى حدود الآن؛ ويتلقى الدعم الكافي من الجهات الراعية للثقافة الاستهلاكية؛ كما يساهم في تكريسه جمهور غربي متعطش لكل ما هو مختلف. وأمثل لهذه الاستمرارية بآخر إنتاجات المخرج البريطاني المرموق تيم سابل Tim Supple ورحلته إلى العالم العربي بين 2006 و2011 ‘لإعادة’ تراث “ألف ليلة وليلة” إلى ‘أصولها’ الشرقية؛ إذ لم تخرج هذه الإعادة عن نطاق مسرح المثاقفة المهيمن لربرت وِلسُون وآخرين. بعد إنتاجه لمسرحية “حلم ليلة صيف” في الهند رفقة فنانين هنديين وعرضها بالمسارح الأوروبية والأمريكية حيث نالت تقديرا كبيرا من منظمي مهرجان تورنتو للفنون والإبداع (لوميناتو)، منحه هذا المهرجان مبلغ 2 مليون دولار لإعداد “ألف ليلة وليلة” لافتتاح فعالياته يونيو 2011.

معلوم أن التراث الثري لألف ليلة وليلة دخل أوروبا عبر الترجمة الفرنسية لأنطوان جالان سنة 1704 وبعدها ترجم إلى الإنجليزية سنة 1706 وباقي اللغات الأوروبية لاحقا. صحيح أيضا أن الترجمات كانت قد ابتعدت كثيرا عن ‘البدايات’ (بدايات تشكل حكايا ألف ليلة وليلة وسفرها المستمر عبر الزمن والجغرافيا من حيث هي ذاكرة مجسدة)؛ وتيم سابل إنما حاول “البحث عن شخصياتها المتفردة، ما كان موجودا قبل استحواذ الغرب عليها.”  ألم ينته المطاف بكل هذه النوايا الحسنة بإعادة امتلاك الجمهور الغربي لـ”جوهر” هذه الحكايات؟ لماذا لم يتم تقديم العرض في أي من البلدان العربية رغم اعتماده على نصوص الكاتبة الروائية اللبنانية حنان الشيخ وثلة من الفنانين العرب بالإضافة إلى المدة الطويلة التي قضاها فريق العمل في التنقل بين المدن العربية؟ من هو جمهور هذا العرض؟ طيلة الخمس سنوات التي استغرقها التفكير والإعداد لعمل ضخم كهذا، كان تيم سابل دائما يؤكد على استعارة السفر والسعي نحو الآخر، ومحاولة فهمه في نطاق اختلافه، والرغبة في تعميق اشتغاله من خلال سيرورة العمل مع الفنانين العرب؛ ورغم كل ذلك، لم يتمكن من تجاوز منطق الهيمنة المعهود في أعمال مواطنه بيتر بروك أو حتى الأمريكي ولسون، ذلك أنه، في نهاية المطاف، هو الذي حدد معالم المنتوج النهائي، وقدمه إلى الجمهور الغربي في شبكة المهرجانات الكبرى في أوروبا وأمريكا. إنه هو الذي أعاد الصياغة الدراماتورجية لحكايا حنان الشيخ، هو الآخر وهو الذي قرر، في نهاية المطاف، ما يمكن عرضه وما ينبغي حذفه.

إلى هنا، يمكن القول بأن مسرح المثاقفة هو أكثر من جنس فني، لأنه بنية تفكير تجمع بين رأسمال وتفوق العالم الأول والمادة الخام وعمالة بقية العالم. وفي الغالب يتم اعتماد النصوص المسرحية الغربية ‘الخالدة’، لكن بأساليب أدائية/ فرجوية ‘شرقية’. كما تطرح حالة المثاقفة إشكاليات من قبيل هيمنة النموذج الغربي على آخره، والتبعية الثقافية بين الشمال والجنوب… أيضا، وعلى العكس من تيم سابل، يقدم المؤلّف والمخرج المسرحي الكويتي-البريطاني سليمان البسّام أعمالا مسرحية رائعة من موقع عابر للحدود. فإذا ما تأملنا تعامله مع شكسبير سنجد شخصية هاملت عند البسام مكلومة بوجع عربي مخصوص. حتى مسرحيّته الجديدة بعنوان “أور”، والتي قدمها بمهرجان أيام قرطاج دورة 2018 -وهي إنتاج مشترك بين رزيدنزثياتر بألمانيا، مسرح سَبَب (الموسوم بالترحال)، والصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)- تعبر على واقع عربي مرير جراء الدمار والحروب في العراق والشام.  بفريق متعدد الجنسيات واللغات سافر بنا البسام  عبر الأزمنة والأمكنة مذ الدمار الأول الذي لحق مدينة “أور” عام 2000 قبل الميلاد إلى أن حط بنا على مشارف سنة 2035 في رؤية استشرافية لمآلات السلطة والسياسة في عالمنا العربي. ولعل أهم ما يميز سليمان البسام هو رؤيته الإخراجية الآسرة وشغفه بقضايا العالم العربي وتمكنه من إيواليات الصناعة المسرحية لذى الغرب. كما أن عروضه تقدم في أكثر من بلد عربي… وهو، في نظري، يمثل  فلسفة التناسج في أبهى تجلياتها؛ إنه مبدع عابر للحدود.

شكلت ‘حرب مسرح المثاقفة’ أواخر القرن العشرين فرصة حقيقية بالنسبة للعديد من الباحثين الغربيين لمراجعة الذات وتجاوز المركزية الغربية الجاثمة على حقل دراسات الفرجة. ولعل أهم مشروع بحثي يعنى بإعادة النظر في المركزية الغربية والانفتاح على أصوات العالم هو ‘مشروع تناسج ثقافات الفرجة. لم يٌطرح مشروع تناسج ثقافات الفرجة  في الجامعة الحرة ببرلين منذ 2008 على أساس أنه نظرية جديدة في المسرح، بل فقط أفق بحثي يعنى بالتفكير في حركية الفرجة المسرحية وتحولاتها، وهي تنتقل في رحلة مستمرة عبر الأمكنة والأزمنة. وحصيلة هذه الحركة الدؤوبة إنتاج الاختلاف، عوض تكريس المتشابه… كيف يمكن مقاربة صيرورة التحولات التي تقع  للفرجة جراء ترحالها من ثقافة إلى أخرى؟ كيف تتأثر هذه الحركة في ظل وضع استعماري؟ اقترحت الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته هذا المشروع البحثي في ظرفية خاصة تميزت بصمت مريب استتبع نقاشات/حروب ‘مسرح المثاقفة’ في مطلع الألفية الثالثة.  للتذكير فقط، أربكت تلك النقاشات المركزية الغربية وخاصة أخلاقيات تبني فرجات الآخر، فجاء مشروع التناسج ليس بهدف تكريس هذه المركزية، بل لدحضها من خلال التفاعل التشاركي والإنصات المتبادل، وإعداة الاعتبار إلى الهوامش الفرجوية المحايثة التي كانت بالأمس القريب مجرد روافد تصب في المجرى الرئيسي لنهر المركزية الغربية. لم يكن التناسج محاولة للإلتفاف على اختلافات الثقافات الفرجوية غير غربية قصد تدويبها ضمن نسق النموذج الغربي، بل على العكس من ذلك، فقد انفتح التناسج على هذه الاختلافات لفهمها ضمن سياقات تحققها التاريخي وبمشاركة الفاعلين الرئيسيين المنحدرين من تلك الثقافات… فالتناسج بوصفه أفقا للتفكير  -على الأقل من وجهة نظرنا نحن- يدعونا إلى التأمل في تراثنا الفرجوي من منظور تاريخي يستحضر التبادلات المضمرة والمعلنة التي أثرت في حياكة نسيجنا المسرحي دون مزايدات تروم أسطرة فرجة ما بوصفها ‘فرجة خالصة’. فمن منظور التناسج، لا توجد ثمة فرجة خالصة ناتجة عن ذات سرمدية، أو غير خاضعة لسيرورة الاحتكاك والتبادل مع فرجات أخرى.

بعد طرح مجموعة من الأنساق المعرفية المرتبطة بفرجات منحدرة من القارات الخمس على طاولة نقاش المعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة التابع للجامعة الحرة ببرلين مند 2008 إلى 2020 (بما فيها فرجات الهند، نيجيريا، العالم العربي، إيران، اليابان، والصين…)،  بدا الاختلاف واضحا جدا فيما بينها. فـ “من خلال هذا الوضع”، تؤكد فيشر ليشته في رسالتها لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر يوم 20 سبتمبر 2017، “يطرح سؤال آخر نفسه علينا بحدة، على أمل أن يؤدي بدوره إلى مشروع بحثي جديد في المستقبل: كيف تستجيب هذه الأنساق المعرفية لصيرورات التناسج؟ هل ستتبعها مصطلحات جديدة أو نقل المصطلحات من لغة إلى أخرى إما عن طريق الترجمة أو بإدراج الكلمة الأجنبية؟ أم أن بعض المصطلحات –أو ربما كلها- التي تشكل جزءا من النظام تغير معانيها، وبأي طرق؟ هل ستكون النتيجة نظاما مستقرا نوعا ما، أم نظاما يفترض مسبقا تغييرات دائمة؟. هذه أسئلة رائعة لكنها بعيدة المدى. أخشى أن السنوات الثلاث المتبقية من زمن مركز دراسات تناسج ثقافات الأداء لن تكون كافية لإيجاد إجابات مرضية لكل هذا الزخم من الأسئلة العالقة. لذلك، سيكون هذا إرثا للجيل القادم من علماء المسرح في أي جزء من العالم الذين قد تستغويهم وتتحداهم عمليات تناسج ثقافات الأداء والأسئلة والمشاكل التي تطرحها…”. واضح من كلام فيشر ليشته بأن مشروع التناسج هو فقط خطوة أولى لتفكيك المركزية الغربية من خلال الانفتاح على الهوامش المحايثة، والإنصات لها، وإبراز تحولات الفرجة في ترحالها المستمر عبر الأزمنة والأمكنة… وليس الهدف الأسمى هو محو الاختلافات القائمة بين الأنساق المعرفية المرتبطة بمجالات فرجوية مختلفة، بل اقتفاء أثر صيروراتها المتفردة وتنوعها وغناها ضمن سياقات تحققها.

إذن، الإشكالات المرتبطة بالمثاقفة والتناسج بدورها تتغير حسب سياقات تحقق فعل المثاقفة، إذ لم يعد من المجدي اليوم التمييز بين الشمال والجنوب نظرا لتواجد الجنوب في الشمال أيضا، والشمال في الجنوب ـ. إن مفهوم الجنوب، كما أتصوره، يتجاوز الرقعة الجغرافية، وذلك لكونه حالة تأملية تستدعي تفكيرا عابرا للحدود. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الشرق والغرب. فالمغرب، مثلا، بوصفه أفقا للتفكير، حسب الخطيبي، هو ذلك الغرب الذي تصعب معالجته، على الأقل بالنسبة للمشرق العربي. من جهة أخرى، ليس المقصود بالشرق والجنوب الرقعات الجغرافية النسبية بل “المشرق” الحضاري من حيث هو بناء ثقافي أنشأه الغرب كمرآة تمزج بين اختلاف الشرق وانحطاطه في أفق احتوائه وتملكه، في نهاية الأمر، كما بين ذلك إدوارد سعيد في كتاب “الاستشراق“.

دراسات الفرجة والسعي لتجاوز التمكرز الأورو-أمريكي

ركز البحث المسرحي الدولي، كما يتجلى ذلك في نقاشات الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي (IFTR)، أو الجمعية الدولية لدراسات الفرجة (PSI) على العالم لفترة طويلة، قبل أن يخْضِعَ نفسه لتغيير داخلي جذري وصل إلى حد الرجة. ومن الأسئلة الوجيهة التي طرحها البحث المسرحي الدولي لإعادة النظر في مركزيته، وحاول أن يتقيد بمضمونها هي: هل من واجب كل الثقافات (وخاصة تلك التي عانت من الاستعمار) أن تتبنى السرد الأحادي لتاريخ المسرح الذي فرضته أوروبا على آخرها؟ أم عليهم البحث عن أنجع السبل للمصالحة مع ذاتهم الفرجوية والغوص عميقا في الماضي الخاص بهم؟ وفي إطار هذا التساؤل دائما، هل على كل من درس ماضيه أن يسعى جاهدا وبشكل جبري إلى محاولة إعادة إحياء ذلك الماضي، في شكله الماضوي الخالص من جديد؟

لقد بدأت شعب المسرح في الجامعات الغربية تعيد النظر في مهامها وأهدافها انطلاقا من العقدين الأخيرين من القرن العشرين. فقد أدرك حينها أساتذة المسرح أنهم قد أصبحوا منعزلين عن مشهد الفنون الأدائية السريع التحول بفعل تناسج ثقافات الفرجة والتحولات الطارئة على المسرح بوصفه وسيطا موسعا يستوعب الوسائط الأخرى. وعلى الرغم من اتساع مجال اشتغال دراسات الفرجة إلا أنه لا يزال بحاجة إلى المزيد من الجهد لتفادي التمركز الأورو-أمريكي، وانفتاح الجمعية الدولية لدراسات الفرجة PSi على أصوات العالم إلا أنها، كما تقول جانيل رينلت الرئيس الأسبق للفيدرالية الدولية للبحث المسرحيIFTR، ستواجه تحديا أكبر في العقد المقبل، والمتمثل في محاولاتها الحثيثة لتكون دولية بحق. فلا يزال التناقض قائما بين التطلع نحو العالمية والهيمنة الأنجلو-أمريكية على المنظمة”.[12] نستشف إذن من هذه الشهادة أننا، نحن المتموقعون جنوبا في ظل النظام العالمي الجديد، نحتاج لإعادة النظر في “دراسات الفرجة” من موقعنا نحن هنا في الضفة الجنوبية والآن.

أملنا ألا نعيد إنتاج صيغ الماضي القريب ذاتها التي راوحت بشكل عام بين “تأورب مطلق” يعيد إنتاج الأسئلة نفسها للغرب الآخر  دون مساءلتها، وبين “اغتراب في الماضي” يفضي إلى رقص مسعور  حول ذات مفقودة. فدراسات الفرجة، من موقعنا نحن، في حاجة إلى إعادة الكتابة وتفكيك كل أشكال التمركز سواء كانت غربية أو شرقية أو محلية. كما أنها لابد أن تخضع لمنطق الاستيعاب والتجاوز، التفكيك وإعادة البناء من منظور التفكير العابر للحدود والنقد المزدوج (مينيولو & الخطيبي). إنه تفكير رحب لممارسة ممانعة إيبيستمولوجية تربك كل أشكال التمركز في أفق تفكيك الحالة الاستعمارية coloniality التي لا تزال قائمة رغم زوال الاستعمارcolonialism. وبالتالي، يجب التئام الإرادات الحية من نقاد ومسرحيين في ‘الجنوب الممانع’ للانفكاك من قيود الحالة الاستعمارية أو الليبرالية الجديدة ومن يدعمها في الجنوب. ومن الأسئلة الوجيهة التي طرحها البحث المسرحي الدولي لإعادة النظر في مركزيته، وحاول أن يتقيد بمضمونها هي: هل من واجب كل الثقافات (وخاصة تلك التي عانت من الاستعمار) أن تتبنى السرد الأحادي لتاريخ المسرح الذي فرضته أوربا على آخرها؟ أم عليهم البحث عن أنجع السبل للمصالحة مع ذاتهم الفرجوية والغوص عميقا في الماضي الخاص بهم؟ وفي إطار هذا التساؤل دائما، هل على كل من درس ماضيه أن يسعى جاهدا وبشكل جبري إلى محاولة إعادة إحياء ذلك الماضي، في شكله الماضوي الخالص من جديد؟

بناء على مثل هذه الأسئلة، يتبين بأن مهمتنا كباحثين ما-بعد كولونياليين معقدة جدا في إطار إعادة نبش تاريخ المسرح المحلي الخاص بنا وحدود تمفصلاته مع المسرح العالمي كذلك، بالنظر إلى  صعوبة إيجاد مكان لنا في الكثير من الأحيان، رغم التطور الحاصل في المجال المسرحي العربي عموما، ضمن هذا النوع من الجدال الثقافي، والنقاش الفكري. وإذا حدث وذُكرنا في الموسوعات والكتابات المسرحية الغربية، فإن وجودنا، غالبا ما يكون باهتا جدا، ويتأرجح ما بين الحضور والغياب. لقد شكلت أوروبا، عبر التاريخ، المرجعية الصامتة، والثابتة، وغير-المكشوفة للفن المسرحي منذ الزمن المسرحي الأوروبي الأول مع الإغريق القدامى، رغما عن الإمكانات الهائلة التي تتوفر عليها مسارح العالم. وإنه من الواضح جدا أن “مؤرخي العالم الثالث يحسون دائما بالحاجة إلى الاعتماد على الكتابات التاريخية الأوروبية؛ أما مؤرخي أوروبا، فليسوا ملزمين بإتباع مثل هذا النهج….”[13]  بالإضافة إلى ذلك، فإنه غالبا ما يحس الباحث المسرحي ما-بعد الكولونيالي، بالحاجة إلى ترجمة، واستنبات مجموعة من الإبداعات التي تم “إنتاجها في مكان آخر (الغرب مثلا)،  والتي غالبا ما يركبه شك مطلق، رغم اشتغاله عليها، حول البنية الأركيولوجية للأهداف الجوهرية التي تخدمها، والأسئلة البنيوية التي تثيرها، وتحاول الإجابة عنها. ونتيجة للرعب، والخوف من الإنتاج الفكري والفني الغربي، ومن عملية التراكم والتحول السريع للإبداع هناك، يكتفي الباحث ما-بعد الكولونيالي، الشرقي في حالتنا، بإنتاج معرفة من الدرجة الثانية ذات مستوى معرفي وفني ‘هزيل’، وتتميز، دائما في ظل الابستيمة الغربية، بأنها لا ترضي أو تلبي رغبات أحد.[14]  في إطار هذه المعطيات، والحقائق، والواقع السلبي المرير، – صار دور الباحث ما-بعد كولونيالي/’التابعي’ الذي يدرك الوضع ويحاول بكل ما استطاع أن يتخلص من عقدة التبعية والسلبية- “محفوفا بالمخاطر، وأكثر صعوبة من أي وقت كان“.

 والحال أنه لا يمكن الحديث عن إضفاء البعد الإقليمي (أقلمة) provincialisation للدراسات المسرحية الأوربية إلا إذا تجاوزت هذه الأخيرة الخطاب العنصري، وعادت إلى تعدديتها غير القابلة للاختزال، وتفاعلها التاريخي مع ثقافات أخرى، واعترفت بدور الآخر في الأخذ عنها، والتأثير عليها، والتنافس معها. وهنا يُطرح تساؤل من الأهمية بمكان: ما هو السبيل إلى استرجاع التاريخ المنسي لبعض الثقافات الفرجوية التي تم تغييبها بشكل مُمَنهج، وهُمشت عن سبق إصرار وترصد على مستوى الساحة الإبداعية العالمية؟ وما هي وسيلة ‘التابعين‘ subalterns وحيلتهم في التعبير عن أصواتهم باسمهم، ودون الوقوع ضحية لإحدى العقائد الهوياتية  التي تروم الإطلاقية حينما تبالغ في تقديس ‘الوطن’، و’القومية’، و’العرقية’، و’اللغة’؟ بل دون السقوط ضحية لما هو أسوأ، أي “النوستالجيا،” التي ينعتها المفكر الهندي شاكرابارتي Chakrabarty ب”خطيئة الخطايا’؟ إنها أسئلة من الأهمية بمكان، وكلها تواجه مؤرخي ونقاد المرحلة ما-بعد الكولونيالية.  ففي يومنا هذا، صارت محاولة إعادة النقاش المسرحي الما-بين-ثقافي في المستعمرات السابقة إلى الواجهة من جديد، في ما يعرف اليوم باسم “الجنوب”  تثير أسئلة من قبيل: ما هي مهمة البحث العربي الخاص بالفن الفرجوي خلال زمن العولمة؟ هل ما تزال هناك فجوة بين البلدان الغنية والفقيرة فيما يخص الممارسة المسرحية؟ هل هناك حدود فاصلة بين ما يشكل المسرح الغربي ‘الخالص’ مقابل التقاليد المسرحية الخاصة ببقية الشعوب والثقافات؟ هل لازال علينا النظر إلى الدراماتورجيا الطليعية (أو حتى ما-بعد الطليعية) من حيث هي إفرازات ‘ما بعد الحداثة’ الغربية دون غيرها وكأننا في عالمنا العربي نعيش في قرية معزولة عن العالم (الذي أصبح بدوره مجرد قرية صغيرة)؟

في الواقع، صرنا في يومنا هذا، أكثر من أي وقت مضى، قبل موجة ‘الربيع الديمقراطي،’ لا تفارقنا فكرة كون ما يسمى بقريتنا العالمية ليست مجرد مكان ضخم يضم ‘كائنات متحركة وفاعلة،’ ولكنه مكان به ‘أناس يمارسون التفكير العقلاني’، وقادرين على إنتاج وتبادل المعارف خارج الحدود السياسية الوضعية الخاصة بالدول والقوميات. لكن، إذا كان العالم قد عرف تغيرا شاملا نتيجة للدور الفعال للتكنولوجيات والوسائل التقنية، والعالم العربي قد اجتاحته موجة تغيير سياسية، فأين نحن من كل هذا، وما هو دورنا التاريخي في النهوض بهويتنا، وثقافتنا، وذوقنا الفني والإبداعي.

إن محاولة ممارسة نوع من التفكير الذي يعالج الوضع العام في حالة بلدان العالم الثالث، كنموذج لمستعمرات سابقة، وبلدان سائرة في طريق النمو، هو نوع من الممارسة التي تدخل في إطار تصفية الاستعمار، ومحاولة وضع حد لجميع مظاهر الهيمنة الغربية. لقد تميزت العديد من العروض المسرحية العربية الأخيرة بكونها عبارة عن تمارين تدخل في نطاق ما يدعوه د. إ. دجورج ب”السيميوزيس الذي لا يهدأ” والذي يتولد عنه المعنى من خلال علاقات الترابط التي ينسجها ويشتغل عليها، وليس عن طريق أي دال موضوعي خارج النسق المسرحي. وهذا السيميوزيس المسرحي العربي، إن صح التعبير، هو عبارة عن فكرة ينتج عنها فعل إبداعي معين يتخذ منحى جديدا يتخلص من خلاله من رواسب ثقافية معينة (المظاهر الثقافية الاستعمارية)، ويولد أخرى جديدة تتماشى ووضعه الثقافي، والجغرافي، والسياسي، والاجتماعي، والاقتصادي الراهن. في هذا الإطار، نجد أن ثمة سؤالا وجيها يفرض نفسه بإلحاح، وهو كالتالي: ألم يحن الوقت للإنصات لما يعرض في مسارحنا العربية المعاصرة؟

ما يميز بعض أحدث العروض المسرحية العربية في الواقع هو الميل نحو نوع من التفكير التشاركي الناتج عن الرغبة في الوصول إلى تحقيق أبعد ما يمكن تصوره على مستوى العروض الفرجوية، حيث نجد أنفسنا مدعويين لنصبح فنانين مشاركين في إنتاج الفرجة، بدلا من مستهلكين سلبيين لها. وهذا التجريب، أو الإبداع المسرحي العربي واضح جدا من خلال مسرحيات عظيمة مثل مسرحية جنون أو يحيى يعيش لجليلة بكار وفاضل الجعايبي من تونس، ومسرحية دموع بالكحول لمسرح أنفاس من المغرب، وبيوخرافيا للينا صانع وربيع مروة من لبنان، أنسوا هاملت لجواد الأسدي من العراق، وحيدون لوجدي معوض من لبنان/كندا، حقائب ليوسف البحري وجعفر القاسمي من تونس… (وتبقى هذه مجرد أمثلة قليلة من قائمة طويلة هي في تزايد مضطرد كل يوم).

وهنا، دائما، وفي إطار السؤال السابق المتمحور حول إمكانية إنتاج تمسرح عربي خاص بنا، يظهر سؤال آخر يؤرق الدارسين والباحثين والمهتمين، وهو: هل توجد علاقة ما بين الحساسيات المسرحية الجديدة التي تكتسح عالما العربي اليوم، والتي هي تقليد مسرحي ما-بعد كولونيالي في العمق، وما يمكن تسميته ب ‘أصولها الأوروبية’ سواء الحداثية أوما-بعد الحداثة؟ هل تلك التجارب مجرد إسقاطات وتمارين تحاكي الحداثة المسرحية الغربية أم هي بالفعل نابعة من وضعنا البيني الملتبس؟ مع الأخذ بعين الاعتبار مفهوم ليوتارد J. F. Lyotard حول معنى ما بعد الحداثة عندما يذكرنا أن “ما-بعد الحداثة” “ليست هي الحداثة في نهايتها، لكنها الحداثة نفسها في بداية جديدة، وهي حالة ملازمة لما بعد الحداثة ودائمة.”[15]   بهذا المعنى، تكون ما-بعد الحداثة ليست سوى مساءلة مستمرة للحداثة في أفق تجديدها وإبعادها عما يورم الإطلاقية. في الواقع، تتشظى وتتعدد ما بعد الحداثة إلى حداثاث لامتناهية، وهي بذلك تعبر عن الإحباط  واليأس مما آلت إليه الأمور باسم الحداثة محاولة، في نفس الآن،  البحث عن أنجع السبل للمصالحة مع أهداف فلسفة الأنوار.

كثيرا ما تلتبس العلاقة ما بين ما-بعد-الحداثة والحداثة لتقر بهذا التعايش الساخر للأزمنة (الفترات التاريخية للحضارة) في عملية إعادة مناقشة وبناء المتون التاريخية الكبرى. وعلى أية حال، فالحداثة الغربية في سعيها إلى الانتقال بأوربا من العصور الوسطى إلى مجتمع رأس المال، بعد كل شيء، أصبحت ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، وليست موحدة ومتماسكة. وقد عرفت تاريخيا مدارس فكرية مختلفة تتحرك كل واحدة منها في اتجاه معين، وتنبني على أطروحات وأفكار متباينة، لكنها كلها ثورية ورافضة لمنطق الإطلاقية حتى فيما يخصها هي، كما أقر ذلك أيضا المفكر المغربي عبد الله العروي. وقد طُرحَتْ هنا في إطار جدلية إمكانية تطوير نموذج مسرحي عربي حديث، وإمكانية تخلصه عبر اشتغاله من النموذج التأسيسي الغربي الحداثي وما-بعد الحداثي في الوقت نفسه، وذلك باعتبارها جردا عاما لمعطيات وضع يستدعي، كما أشرت إليه في البداية، عملية تفكير، وتفكيك، وإعادة بناء حداثية/ مابعد-كولونيالية  بالدرجة الأولى.

بعبارة أخرى، فإن أحد الأسئلة الواجب طرحها اليوم هي: هل نستطيع أن نتحدث عن حداثة ما-بعد-كولونيالية؟ وإذا كان الجواب بالايجاب، فإنه علينا أن نحدد ملامح، ومظاهر، ومميزات هذا النموذج الحداثي في تعدد وتنوع مظاهره وأساليبه. فالبعض يرى أن “الحداثة الأوروبية،” من جهة معينة، لم تكن ممكنة دون التواجد الأوربي الاستعماري في البلدان العربية وغيرها. وهو أمر ممكن ومعقول نظرا لكون أوربا قد اعتمدت تاريخيا، في نهضتها، على الفكر المشرقي، واعتمدت ثانية، أثناء المرحلة الامبريالية التوسعية على خيرات الشرق المادية والمعنوية بشكل واسع جدا. أما حداثتنا نحن، إذا ما طرحناها موضع نقاش، وجدنا حتما، وبشكل مُسَلم، أنها مرتبطة عضويا بالاستعمار الأوروبي والرجة الذي أحدثها في بنيات تفكيرنا ومجتمعاتنا وفنوننا… بل إن حداثتنا ما-بعد الكولونيالية انبثقت في ظل العلاقة التي جمعتنا بالآخر الأوربي سواء عن طريق التناسج الثقافي عبر التاريخ وفي إطار الاستقلالية التامة لكل جبهة، أو عن طريق الاحتكاك الثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي اليومي أثناء التواجد الاستعماري الغربي بالشرق، وبالضبط منذ انطلاق الحملة الفرنسية على كل من مصر وسوريا ما بين 1798-1801.

المسرح العربي ومأزق المرجعيات المستعارة.

لم تكن الحداثة الغربية ممكنة بدون حالة استعمارية؛ إذ تعد هذه الأخيرة مؤسسة للأولى بدل كونها مصاغة منها أو تشبهها في التركيب البنائي. والمسرح لا يحيد عن هذا التصور، ذلك أنه استقدم إلى عالمنا العربي مدعوما من لدن جيوش الاحتلال منذ حملة نابليون على مصر (1798 – 1802). منذ ذلك الحين، شكلت الحملة العسكرية النابليونية بداية تفاعل متضارب بين الحداثة والاستعمار. جاء تبني العرب للمسرح في صيغته الغربية نتيجة لهذا التفاعل المفارق. بعد فترة وجيزة من السيطرة على القاهرة في 21 يوليو 1798، “عزفت الفرق الموسيقية الفرنسية، ونظمت حفلات موسيقية، وافتتح ملهى تيفولي، بالقرب من بحيرة الأزبكية، مع غرف للرقص والألعاب والقراءة وشرب المرطبات”. وبينما كان يستعد نابليون لمغادرة مصر في 22 أغسطس 1799، كتب ملاحظة مهمة لخليفته، الجنرال كليبر، موضحا ضرورة النشاط المسرحي: “لقد طلبت بالفعل عدة مرات فرقة من الكوميديين. سأحرص بشكل خاص على إرسال فرقة إليك. هذا البند له أهمية كبيرة بالنسبة للجيش ووسيلة للبدء في تغيير عادات البلاد.”  في تصور نابوليون، يمكن للمسرح أن يحقق هدفين رئيسيين: 1) يكمن الأول في كون المسرح من وسائل الترفيه الناجعة بالنسبة للجنود الفرنسيين المغتربين في ظلمات المشرق… 2) بينما ينسجم الهدف الثاني مع تنفيذ جزء من ‘المهمة الحضارية’ الفرنسية من خلال اعتماد المسرح كآلية لتغيير تقاليد أهل مصر.

وبالفعل، فإن التطلعات النابليونية تشبه أطروحة كارل ماركس حول الاستعمار البريطاني ومهمته المزدوجة في الهند التي يفترض أنها متخلفة: “يتعين على إنجلترا أن تحقق مهمة مزدوجة في الهند”، يقول ماركس،”واحدة مدمرة، والأخرى تعمل على تجديد إبادة المجتمع الآسيوي القديم، ووضع الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا”. أدت المهمة التدميرية إلى تفكك المجتمعات الأصلية واقتلاع الصناعة المحلية، في حين اتبعت عملية التجديد مسار تحديث الهند. كان التأثير على الهند عميقًا جدًا لدرجة أن الهنود وجدوا أنفسهم بين واقعين وبوابتين. لقد قدم عبد الكبير الخطيبي قراءة دقيقة لبيان ماركس المرعب بخصوص مآلات الاستعمار الإنجليزي للهند: “إن قتل تقاليد الآخر وتصفية ماضيه أصبح أمرا ضروريا بالنسبة للغرب الساعي للسيطرة على العالم كي يتمكن من التوسع إلى ما وراء حدوده بينما يبقى دون تغيير في النهاية. يجب أن يهتز الشرق من أجل العودة إلى حاضرة الغرب.” هكذا إذن، تم إدخال التقاليد المسرحية الأوروبية بوصفها وسائل ناجعة لإعادة الشرق إلى ذلك الغرب المتمركز حول ذاته. في ضوء ما سبق، تفرض علينا الأسئلة التالية نفسها: كيف يتسنى للمرء أن يفكر بطريقة عابرة للحدود إذا كان من الصعب في الحقبة الراهنة التمييز بين الاختلافات الثقافية؟ ألم يحن الوقت، بعد، للاهتمام بالتفاعلات المسرحية شرق ـ غرب/ جنوب-ـ شمال؟ هل المسرح العربي معزول عما يقع في عالم اليوم أم أنه يشكل جزءا من المشهد المسرحي الكوني؟ ألم يسبقنا هذا الغرب بتعدده  في الثورة على التقليد الإيطالي المتمثل في ركح/ صالة والدعوة بطرق مختلفة إلى عودة المسرح إلى بداياته (مع فلسفة روسو، وألفريد سيمون، وأرطو، وجان دوفينيون، وجان فيلار، وغروتوفسكي، وباربا، وبوال…)؟ ألم يحن الوقت أيضا لتعميق الحوار جنوب- جنوب مسرحيا؟ هل بإمكان الحساسيات المسرحية الجديدة في عالمنا العربي أن تطرح أسئلتها حول موقعها وتطلعاتها وتناسجها مع آخرها في ظل عالم معولم وسريع التحول؟ هل بإمكانها فرض خصوصيتها واختلافها مع الانخراط في الكونية؟ ما هي إمكانياتنا للحضور في العالم؟.تزامنت بدايات المسرح العربي الحديث منذ “بخيل” مارون النقاش (1947) مع الهجمة الاستعمارية الغربية. لذلك اتسمت اختيارات الرواد الأوائل في المشرق والمغرب بتناسج وتثاقف ملؤه التلقي المنتج المحكوم بإعادة مخالفة لما سبق. وهو التلقي المبني على الاستيعاب والتجاوز في أفق إنتاج المختلف ضمن مسارات التأصيل. لم تعمل تلك ‘الهجنة’ على نسخ النموذج الأوروبي، بل استفزته وأربكت ادعاءه الاكتمال في الوقت نفسه الذي ابتكرت فيه طرائق مختلفة لتكراره بشكل مختلف بوصفه ‘غنيمة حرب’. والحال أن صيغة التكرار هاته كانت – ولا تزال- محكومة بإعادة مختلفة لما سبق من النماذج المسرحية الغربية. وبالنظر إلى حجم الخسائر التي خلفها الاستعمار كان نداء الفيلسوف الاجتماعي المارتينيكي فرانز فانون (1925-1961) منطقيا ومشروعا إبان فجر الاستقلال: “فمن أجل أوروبا، ومن أجل أنفسنا، ومن أجل الإنسانية، يجب علينا يا رفاق، أن نلبس جلدا جديدا، أن ننشئ فكرا جديدا، أن نحاول خلق إنسان جديد.”[16] ومع ذلك، لم تكن هذه الدعوة التي ختم بها فانون كتابه القيم ‘معذبو الأرض’ الحل الأمثل بالنسبة إلى الجزائر وباقي شعوب الجنوب. فقد أصبح هذا الغرب الآخر أشد توغلا في كياننا وذاكرتنا وسلوكنا اليومي، إذ من الصعب مثلا غض النظر عن ‎مائة واثنين وثلاثين سنة من الاستعمار الاستيطاني للجزائر من طرف فرنسا. كما أنه من الصعب محو التأثير المسرحي الفرنسي بين عشية وضحاها سواء على مستوى البناية المسرحية، أو المفردات المسرحية، أو تقنيات الصناعة المسرحية…

ومع ذلك، وبالنظر إلى وضعنا الما بعد استعماري الحالي، لا يمكن للقطيعة مع الغرب أن تؤسس اختلافنا. وكما أكد ذلك عبد الله إبراهيم في “المطابقة والاختلاف”: “ليس المقصود ب “الاختلاف” هنا، الدعوة إلى “القطيعة” مع الآخر، والاستهانة به، واختزاله إلى مكون هامشي، ذلك أن القطيعة لن تحقق إلا العزلة والانغلاق، والاعتصام بالذات ومطابقتها على نحو نرجسي مرضي لا يمكنها أبدا من أن تتشكل على نحو سليم ومتفاعل ومتطور.”[17] صحيح أن الخلاص “لن ينبعث من رحم ذات الإبيستيمولوجيا التي خلقت الحاجة للانفكاك”.[18] لكن أيضا، المقاومة لن تنبعث من خارج علاقة السلطة، كما يؤكد فوكو: “لا تكمن المقاومة في وضع خارج عن العلاقة بالسلطة”.[19] فأينما وجدت علاقة سلطوية بين طرفين أو أكثر يترتب عن هذه العلاقة مقاومة أو ممانعة من نوع ما. تتجلى علاقة السلطة هاته في الوضع الاستعماري الذي عانت منه أغلب دول الجنوب بما فيها العربية. ورغم زوال الاستعمار الاستيطاني في النصف الثاني من القرن المنصرم، إلا أن الحالة الاستعمارية COLONIALITY لا تزال قائمة، وهي مستمرة ومدعومة بقوة من قبل ما تسميه جاياتري تشاكرافورتي سبيفاك بـ: ‘الشمال الإقطاعي في الجنوب’… وهذا مفاده أن النزعة الاستغلالية التي صاحبت ‘مسرح المثاقفة’ لن تزول إلا بزوال تلك الحالة الاستعمارية المستمرة، أو ما يسميه البعض بالاستعمار الجديد. لذلك، يجب البحث عن أنجع سبل الانفكاك من تلك الحالة الاستعمارية المتوغلة في أوطاننا وبنيات تفكير بعض منا. إلى هنا وجب التذكير بأن الغـرب ليس واحدا متجانسا مثله في ذلك مثل الـشرق أو الجنوب… فالشمال الإقطاعي في الجنوب يلتقي مع مصالح ‘الغرب المهيمن’. لذلك، ينبغـي التحلي بنوع من الاحتراس المنهجي لتفـادي الانـزلاق في التعميمات التي تفتقد إلى الدقة والمصداقية، إن لم نقل، الموضوعية.

لقـد ألمحت مرارا بأن عالمنا العربي يتواجد في وضع تخومي ملتبس: بـين تقاليد لا تزال حاضرة بقـوة في حيواتنا الفردية والجماعية، ووعـود حداثة لا يزال الجميع يتطلع إليها بإلحاح أكثر في ظـل زمن ‘ما-بعد الربيـع’. لطالما تحدثنا عـن دراماتورجيا الهجنة من حيث هي مزج بـين تقاليد الأنا والآخر، ووصل بـين الأزمنة، بـل وتمثل لها في الآن نفسـه. إنها تموقع بـين البوابتين: ‘بوابة الـشرق’ التي ترفض الانسداد تماما، و’بوابة الغرب’ التي تأبى أن تفتح عـلى مصراعيها. ومع ذلك وجب التوضيح بأنه غالبا ما ينظـر إلى ‘الهجنة’ من منظور جوهراني بوصفها ذلك الـذي لم يعد ينتمي إلى جنسه، أو طبيعته الأم. وقد أدى هذا الفهم إلى التشويش على ‘لحظة الهجنة’ من حيث هي لحظـة مفصلية في مسار إرباك سلطة الحالة الاستعمارية. فالمقصود بالهجنة هـو تلك اللحظة التي ترتبك فيهـا المركزية الغربية عبر تكرار واستنساخ النموذج المسرحي الغريب، لكن بشكل مختلف… المطلوب الآن، تجاوز وضعيـة الهجنة واسـتثمار تراكمات وخبرات الجسد الفرجوي المغربي من منظـور التفكير العابر للحدود، وهو تفكير ينفلت من قبضة مركزية الغـرب بنفـس درجة انفالته عـن مركزيـة الـشرق بداخلنا.

وإذا كانت الحدود بـين الممارسات الدراماتورجية الحداثية وما- بعـد حداثية لدى الغرب ملتبسة ويشـوبها الكثـير من الخلط في ما يتعلق بالمفاهيـم… فالأمر يـزداد تعقيـدا عندنا نحن، خاصة أننا ابتلينا بتخمة تداخل الأزمنة (كلاسـيكية، حديثة، ما بعد حداثية) نتيجـة الوضع الاستعماري والتحديث القـسري. لذلك كله، أدت حداثتنا المسرحية منذ عصر النهضة العربية ‘المستلبة’ إلى تعميق هوة الاغتراب أحيانا، واختزال المسرح العربي في دعوات إلى ‘تقليد الغرب’ أو ‘جنوح ماضوي’، من حيث هما مساران يسلبانه إمكانية التطور، وارتياد آفاق المغايرة والتفاعل مع الموروث المسرحي الإنساني، والاستفادة منه وتطويعه، بما يتماشى مع متطلبات الثقافة العربية المعاصرة. ويعزى فشل معظم المشاريع التنظيرية العربية ــ وخاصة تلك التي انبنت على مأزق تنظيري مأسور في الميتافيزيقاــ إلى ارتهانها لـ “المطلق”، والاعتقاد في امتلاك الحقيقة المطلقة، مما يؤدي بدوره إلى الغرور والتعصب. وواقع الحال أنه بعيدا عن الخطابات التنظيرية التواقة لتحقيق أنجع سبل المصالحة مع الوجدان الفرجوي العربي، اتجهت الممارسة المسرحية العربية –على المستوى الميداني- لابتكار أشكال مغايرة في عدم تشابهها مع النماذج الغربية.

هل يمكن تشكيل معالم نظرية مسرحية عربية بمعزل عن الاحتكاك ومواجهة ‘التاريخ المحلي الغربي’؟ نعم، إن تاريخ المسرح الغربي -وبداياته الإغريقية المزعومة- هو مجرد سرد أوروبي محلي تم تسويقه على أساس أنه كوني على حساب سرود أخرى وبدايات أخرى… فلنمعن النظر قليلا في ‘التفكير العابر للحدود’، بوصفه الإبستيمولوجيا الضرورية لمواجهة سلطة الحالة الاستعمارية. باختصار، لا يمكن لمسرحنا أن يتطور بمعزل عن الاحتكاك مع الآخر ومواجهة النموذج المحلي الغربي، من خلال إبداع تفكير عابر للحدود: “يظل التفكير العابر للحدود”، حسب وولتر مينيولو، “الإبستيمولوجيا الضرورية للانفكاك وإزاحة الحالة الاستعمارية عن المعرفة. ومن تم، بناء تواريخ محلية ممانعة تعيد الكرامة للملايين من الناس الذين سلبتهم إياها الفكرة الغربية للتاريخ الكوني.”[20] يدفعنا هذا النوع من التفكير العابر للحدود، سواء عند عبد الكبير الخطيبي  (الذي ينعته بالنقد المزدوج) أو وولتر مينيولو، إلى الإقامة على الحدود، وهي إقامة محفوفة بالمخاطر وكأنها رقص على حد السيف في المساحة الفاصلة/الواصلة… لذلك ينبغي على مسرحيينا ومنظرينا أن يخوضوا في استفزاز/عصيان إبستيمولوجي يبرز موقعهم العابر للحدود بين ما هو ‘غربي’ وما هو ‘عربي’، ‘أمازيغي’…

يدفعنا التفكير العابر للحدود/النقد المزدوج للتأمل في مقتضيات التهجين المعرفي epistemological creolization بوصفه رقصا على تخوم البينية. لقد غير هذا النوع من التفكير شروط الحوار بين الشرق والغرب. ورغم استلهام جزء يسير منه من دريدا وفوكو، إلا أن الاختلافات واضحة أيضا… فالتفكيك نقد تقاربي ينتقد المركزية الغربية من الداخل، بينما التفكير العابر للحدود/النقد المزدوج يتموقع في التخوم  الفاصلة/الواصلة بين الحالة الاستعمارية وإزاحتها. ولأن النظريات في ترحال مستمر، فهي أيضا تخضع لتحولات جوهرية أثناء سيرورة ترحالها بين الأمكنة والأزمنة… ومن ثمة، واهم من يعتقد بأن التفكير العابر للحدود/النقد المزدوج مجرد تكرار لمقولات ونماذج من التفكيك، ذلك أن صيغة التكرار هاته تخون النموذج في عدم تشابهها معه: “لا يتخالف إلا ما تشابه”، كما عبر عنها جيل دلوز ذات مرة.

كما سبقت الإشارة، نأمل ألا نعيد إنتاج صيغ الماضي القريـب ذاتها التي راوحت بشكل عام بـين ‘تأورب مطلق’ يعيد إنتاج الأسئلة نفسها للغـرب الآخر دون مساءلتها، وبين ‘اغـتراب في الماضي’ يفضي إلى رقص مسعور حول ذات مفقودة. فدراسات الفرجة، من موقعنا نحن، في حاجة إلى إعادة الكتابة وتفكيك كل أشكال التمركز سواء كانت غربية أو شرقية أو محلية. كما أنهـا لابد أن تخضع لمنطـق الاسـتيعاب والتجاوز، التفكيك وإعـادة البناء من منظور التفكير العابر للحدود والنقد المزدوج (مينيولو & الخطيبي). إنه تفكير رحب لممارسة مامنعة إيبيسـتمولوجية تربـك كل أشكال التمركز في أفق تفكيك الحالة الاستعامرية coloniality التــي لا تـزال قائمة رغم زوال الاستعمار colonialism؛ إذ يعد مسرح المثاقفة أبرز تمظهراتها.

لذلك نلفي الانتباه بأن تصورنا لتناسج ثقافات الفرجة مقترن بالنقد المزدوج/التفكير العابر للحدود. وهما معا أفقان لمحو المركزية الغربية دون السقوط في مطبات جوهرانية أخرى. ومن مثـة، يجـب التئام الإرادات الحية من نقاد ومسرحيـين في ‘الجنوب الممانع’ للانفـكاك من قيود الحالة الاسـتعمارية أو الليربالية الجديدة ومـن يدعمهـا في الجنـوب. لسنا مـن دعـاة ‘التـأورب’ ولا ‘الاغـراب في الماضي’… بل فقـط عابـرون في ظـل إقامتنا عـلى الحدود، وهـي إقامة محفوفة بالمخاطـر وكأنها رقـص عـلى حد السيف…

     لقد أصبح النموذج الإرشادي الموسوم بـ: ‘مسرح المثاقفة’ يشكل عقبة إبستيمولوجية أمام التطور المتسارع الذي يقع في المشهد المسرحي على المستوى الكوني جراء سيرورات التلقي المنتج. وهكذا، يمكن اعتبار مشروع التناسج مشروعا مراجعاتيا منفتحا على أصوات العالم. إنه أفق مغاير يسعى إلى إعادة المعنى للهوامش المحايثة، بعد تاريخ إقصاء طويل. فعلى الرغم مما قد يثار من نقاش حول المقصود بـ: ‘التناسج’ الذي قد يفهم بوصفه إبدالا فقط لمفهوم “المثاقفة”، نشير في سياق حديثنا الراهن، بأن الإبدال أو الاستبدال لا يستفاد منه الانفصال التام دائما. ذلك أن “التناسج” مبنيّ على منطلق آخر للنقاش يبرز العناصر المضمرة في رحلة “المثاقفة”. كما يعيد إثارة أسئلة أخرى تتأسس على منطق الاستيعاب والتجاوز، لا منطق القطيعة والانفصال. وهي أسئلة غير تلك التي أثارها “مسرح المثاقفة”.

     قد يتساءل بعضنا- في الاتجاه نفسه- رفقة صديقنا روستم باروتشا: هل بإمكان النماذج الجديدة إلغاء القديمة التي تنبعث منها من خلال التعارض والحاجة الملحة لرؤية الأشياء بطريقة مختلفة؟ إن الخطاب الذي يحيط بالنماذج الجديدة يجد نفسه ملاحقا بأشباح الماضي. فالأشباح، إذا ما استعرنا عبارة دريدا، لديها القدرة على انتياب الجديد، إذ تعاود الظهور ضمن نطاق رؤية ‘الجديدة’. يرى باروتشا أن المشروعين البحثيين معا: (‘مسرح المثاقفة’ و’تناسج ثقافات الفرجة’) “يتقاسمان علاقة تكافلية مكثفة عن اهتمامات مشتركة؛ ولكن بتعبيرات مختلفة”. على الرغم من التداخل الواضح بين المصطلحين، فإنهما لا ينتميان إلى الحقل الدلالي نفسه، حسب فيشر ليشته: “فكلاهما لم يتأسس بعد كمفهوم علمي دقيق وإنما استعارات في انتظار تحولات مستقبلية من شأنها أن تطورهما إلى مفاهيم إجرائية واضحة“.

                  

[1]  عبد الله إبراهيم، الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة (الرباط: منشورات الاختلاف، 2010)، ص. 9.

[2]  المرجع نفسه، ص. 9.

[3]  المرجع نفسه، ص. 53.

[4]  المرجع نفسه، ص. 18. أيضا، في قراءته الماتعة لمتن طه حسين، يؤكد عبد الله إبراهيم بأن مسألة المماثلة بين أوروبا ومصر متجدرة في فكر هذا المفكر الرائد الذي اعتبر التدخل العثماني عقبة أدت إلى تخلف مصر في أطروحته الموسومة “فلسلة ابن خلدون الاجتماعية” التي نوقشت بالسربون سنة 1917: ” فنامت مصر بينما خطت أوروبا خطوات كبيرة، ولم تستيقظ إلا بتأثير الحملة البونابارتية المباركة، فنهضت واحتكت بالأوروبيين الذين غدوا أساتذتها. وإني أعتقد بمنتهى اليقين أن تأثير أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، سيعيد إلى الذهن المصري كل قوته وخصبه الماضيين.” (اقتباس عبد الله إبراهيم، المرجع نفسه، ص. 19)

[5]  عبد الله إبراهيم، المرجع نفسه، ص. 117.

[6]  عبد الله إبراهيم، “المطابقة والاختلاف: المركزية الغربية إشكالية التكون والتمركز حول الذات (المركز الثقافي العربي، 1997)، ص. 5.

[7]  للمزيد عن مقاربتنا للتراجيديا وأصولها انظر كتابنا “الفن المسرحي وأسطورة الأصل” (طنجة: منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، 2002).

[8] William Ridgeway. The Dramas and Dramatic Dances of Non-European Races (Cambridge University Press, 1915), 5.

[9] Patrice Pavis (ed.) The Intercultural Performance Reader (London and New York: Routledge, 1996) p. 19.

[10]Peter Brook, The Empty Space (Touchstone, 1995), p. 11.

[11] Rustom Bharucha, Theatre and the World (India: Manohar Publications, 1990), p. 81

[12]

[13] D. Chakrabarty, “Postcoloniality and the Artifice of History,” Representations, no. 37, 1992, pp. 1–2.

[14] A. Khatibi, “The Decolonization of Arab Sociology,” in H. Barakat (ed.), Contemporary North Africa: issues of Development and Integration, London: Croon Helm, 1985, p. 16.

[15] J.-F. Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge, G. Bennington and B. Mascumi (trans.), Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984, p. 79.

[16]  فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي (مدارات للأبحاث والنشر، 2014) ص، 257.

[17]  عبد الله إبراهيم، “المطابقة والاختلاف: المركزية الغربية إشكالية التكون والتمركز حول الذات (المركز الثقافي العربي، 1997)، ص. 5-6.

[18] Walter D. Mignolo, Local Histories/Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledges, and Border Thinking (Princeton: Princeton University Press, 2012), xxi.

[19] Michel Foucault, The History of Sexuality, Vol 1 (New York: Random House, 1978), 95-96.

[20] Mignolo, Local Histories/Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledges, and Border Thinking, x.

شاهد أيضاً

المفكرة الألمانية إيريكا فيشر تتحدث عن فرجات الشارع بوصفها فضاء زمانيا عصيا المحاضرة الافتتاحية الأولي للدورة السادسة عشر من طنجة المشهدية

قدمت المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليتشه المحاضرة الافتتاحية الأولى لفعاليات الندوة الدولية طنجة المشهدية في …

محمد العناز : با حسن هو الروح التي يمكنها أن تأسرك بصمتها الخجول كلمة المركز الدولي لدراسات الفرجة في حق فقيد النقد المسرحي الدكتور حسن المنيعي

ضمن فقرات الجلسة الافتتاحية لمهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية في دورتها السادسة عشر (دورة فرجات …

انطلاق فعاليات الندوة الدولية “فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية

انطلقت مساء أمس فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية بالجامعة الأمريكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *