التجمعات السياسية: الأداء هنا والآن رستم باروتشا

ترجمة محسن الزكري

(باحث ومترجم – المغرب)

 

عندما أُغلقت معظم المسارح وأُلغيت العروض المسرحية إلى أجل غير مسمى، كان من الضروري الاعتراف بأن هذا الأمر لم يمنع أنواعَ فرجة أخرى من أن تُجسّد في الشوارع والحدائق والساحات العمومية. ويمكن وصف هذه الأداءات العمومية بكونها عبارة عن تجمعات ينبغي التمييز فيها بين تجمع الناس ضمن الحدود المكانية للتصميمات الحضرية وبين الكيفية التي يجتمع وفقها الناس لمشاهدة عرض في المسرح. بالنسبة إلى التجمعات السياسية، فلا حاجة للحصول على التذاكر قصد المشاركة في الحدث؛ إذ يجتمع أناس من خلفيات مختلفة في حشود عفوية حيت لا تقدم الأحزاب السياسية أي توجيهات وغالبا دون أدنى استعداد، فلا يكاد يُتجاوز مستوى الكلام الشفهي أو الرسائل النصية القصيرة، وذلك بغية التعبير عن احتجاجهم بشكل جماعي ضد جريمة أو فظاعة ما أو مَظْلَمة تقتضي اهتمامًا فوريًا هنا والآن. وإذا كان العرض في المسرح يقتضي التدرب عليه وإنتاجه مسبقا، فإن إنتاج الاحتجاج يُبْتَكر في عين المكان. ومثلما يتقارب الناس فجأة في فضاء معين – يمكن أن يكون العدد خمسة عشر ألف أو عشرة آلاف أو أكثر – فإن لهذا التجمع القدرة على التلاشي أيضا، بيد أنه يخلف دائمًا آثارًا ورسائل تذكيرية بأنه قد يجتمع في المستقبل القريب؛ ربما غدا أو في غضون الأشهر القادمة.

بالاعتماد على الأدلة المستقاة من عديد من هذه التجمعات بما في ذلك “الربيع العربي” و”احتلوا وول ستريت” (Occupy Wall Street) والصيغ المبكرة لـ”حيوات السود مهمة”(Black Lives Matter) تستحضر جوديث بتلر Judith Butler في تنظيرها الأدائي للتجمع تحليلًا صارمًا مبنيًا على الإقرار بأنه لا يمكن أن تكون هناك “سردية واحدة” لأنواع مختلفة من التجمعات. ومع ذلك، هناك عوامل مشتركة تكمن وراء اختلافاتها: ضعف المتظاهرين في مواجهة العنف الذي يناهضونه، وإيمانهم في الوقت ذاته بـ “الحق في التجمع بحرية” حتى عندما تكون هذه التجمعات عرضة لخطر أن تسحقها الشرطة أو الدولة. وبصرف النظر عن لفت الانتباه إلى “الطابع المؤقت” لهذه التجمعات السياسية، تشير بتلر أيضًا إلى أنها تجسد “السيادة الشعبية” في مواجهة “الديمقراطية السياسية التي تحددها الدولة” مع مساءلة ما قد يشكل “ديمقراطية أكثر واقعية وجوهرية”.

وقد بدأت بتلر – مؤطرةً بتنظيرها الفلسفي للتجمعات القائم أساسا على فهم لغوي للأدائية – تتعلم الاعتراف بأن “تشريعات” الاحتجاج تتجاوز بكثير “مزاعمها”، وهذا هو السبب في أن الأدائية السياسية “تشمل الكلمات الشفوية والمكتوبة وتتجاوزها”. أود أن أقول إن هذا التدخل هو ما يراه معظم المسرحيين أمرًا مفروغًا منه – لا سيما الحق في الظهور والحضور الجسدي في فضاء ما، حيث لا يُصدْح بمطالب محددة للعدالة فحسب، بل يُعمد إلى تجسيدها. أو على نحوٍ أكثر دقة، تتجسد قبل أن يُصدح بها، أو تتجسد في فعل الصّدح، أو ربما تتجسد في صمت.

تؤكد بتلر على أن الجسد ليس كيانًا فرديا؛ بل يجب أن يُفهم من منظور “شبكة العلاقات الداعمة له”. ومن ثمة، وعلى الرغم من أن الشعارات المحيطة بالحركات الاحتجاجية تصاغ أكثر فأكثر في صيغة المفرد المتكلم مثل «je suis Charlie Hebdo» فإن الأهم هنا هو أن “أنا” ليست “بناءً ذريا” مادام أن “العلائقية الاجتماعية مضمرة” في أثناء نطقها.  والأهم من ذلك، تنبه بتلر إلى الشعار الوحيد المتكرر أو إلى البنيةِ التي يستضمرها، والذي – وإلى حد ما – يوحد تباينات معظم التجمعات: “نحن الشعب”. كانت هذه هي الصرخة المهيمنة لعديد من المتظاهرين في حركة الربيع العربي الذين تجمعوا في ميدان التحرير، حيث كان شعارهم الأساس “الشعب يريد إسقاط النظام”.

في سجل مختلف، كانت حركة العصيان المدني السلمية، التي استمرت لمدة 101 يومًا في حي شاهين باغ في نيودلهي في الفترة الممتدة بين 14 ديسمبر 2019 و24 مارس 2020، تتأسس على الإقرار الأكثر حماسةً ووطنية لـ “نحن الشعب”.  في أيام محددة من احتلال طريق رئيسي، والذي أصبح موقعًا احتفاليًا لاعتصام احتجاجي، تجمع ما يصل إلى 100000 شخص للاحتجاج على فرض الدولة الهندية مؤخرًا لقانون تعديل المواطنة. ويستثني هذا القانون بشكل صارخ طالبي اللجوء المسلمين من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان من الحصول على الجنسية الهندية مع إتاحة اللجوء للطوائف الدينية الأخرى. لذلك، إذا كنت بوذيًا أو جاينًا أو سيخيًا أو بارسيًا أو مسيحيًا أو هندوسيًا، فيمكنك الحصول على حق اللجوء، ولكن هذا لا ينطبق عليك إذا كنت مسلمًا سواء أكنت من مسلمي الروهينجا أم كنت مسلمًا عاشت عائلته في الهند لأجيال. وعلاوة على الشعور بالإقصاء الناجم عن قانون تعديل المواطنة، هناك خوف إضافي يشعر به الهنود المسلمون عندما يتعذر عليهم تقديم المستندات اللازمة لإثبات جنسيتهم، والتي يتطلبها السجل الوطني للسكان والتسجيل الوطني للمواطنين، إذ قد يصنفون على أنهم “غير قانونيين” ويوضعون في معسكرات الاعتقال.

أكد هذا التجمع لعشرات الآلاف من النساء المسلمات بشاهين باغ، واللائي لم يسبق لمعظمهن طوال حياتهن أن شاركن في احتجاج عام، على حق المحتجات في تأكيد انتمائهن إلى الهند دون الاضطرار إلى إثبات جنسيتهن من خلال الوثائق والصعوبات البيروقراطية التي تفرضها الدولة. واستُحضر النشيد الوطني، والعلم، وتربة الهند، في احتفال شبيه بالميلا يتضمن الأغاني والشعر والعروض التحفيزية والتركيبات الفنية والجداريات، كل ذلك لتعزيز الاعتقاد الأساس بأن الهنود المسلمين هم في الأصل مواطنون هنود مثلهم مثل باقي المواطنين، ويشكلون جزءًا لا يتجزأ مما يؤكده الدستور الهندي في العبارات الافتتاحية لديباجته: “نحن! شعب الهند”. إن تمييز المواطنة على أساس الدين أمر مخالف للدستور أساسا.

دعوني أعرض عليكم الآن شريطا للمؤدية والناشطة -مايا كريشنا راو Maya Krishna Rao وهي ترتجل عرضا على أراضي شاهين باغ. تظهر في الشريط ترجمة تشير إلى الحماسة الوطنية للأداء المتأصل في رائحة التربة – التربة التي تحتوي على عظام أسلاف الطائفة المسلمة في الهند جنبًا إلى جنب مع الملح الذي التقطه المهاتما غاندي من ضفاف النهر خلال مسيرة داندي الشهيرة أو مسيرة الملح.

وبالعودة إلى قراءة بتلر لأدائية التجمعات، هناك ثغرة في تحليلها والتي لا يمكن أن نلومها عليها نظرًا لكون دراستها نُشرت قبل وقت طويل من انتشار جائحة فيروس كورونا، وهي ثغرة تتعلق بالعلاقة المتناقضة والمزعجة القائمة بين الحق في عقد التجمعات السياسية والمخاطر الصحية للتجمع في الأماكن العامة أثناء الوباء. تطرح عديد من الأسئلة حول هذا التقاطع بين الأجندات: يمكن للمرء أن يجادل في أن مخاطر عدم الاحتجاج على العنف العنصري وتآكل الديمقراطية تتجاوز بكثير مخاطر الإصابة بالعدوى أو إصابة الآخرين أثناء التجمع في فضاء عام. بعبارة أخرى، يمكن للمرء أن يرى في فعل التجمع نوعًا من المقامرة الإستراتيجية، حيث الالتزام السياسي بقضية معينة يتجاوز احتمالات الإصابة.

وعلى عكس ذلك، يمكن للمرء أن يجادل بأن التجمع في مكان عام لا يحتاج إلى إنكار دعم “ممارسات الاحتجاج الأكثر أمانًا”، حتى لو كان الرأي السليم يفترض أن مثل هذه الممارسات من غير المحتمل أن تنجح بين التجمعات الكبيرة من الناس. وقد تكون وجهة النظر الأكثر تحفظًا هي أنه من باب انعدام المسؤولية الاجتماعية تأكيد المتظاهرين على حقهم في التجمع في الأماكن العامة خلال انتشار فيروس كورونا وأنه يجب اعتقالهم كإجراء وقائي ضد إصابة الجسم السياسي الواسع. وهذا، بالفعل، هو الموقف الذي تبنته عديد من حكومات الولايات التي تعارض مظاهر الاحتجاجات الشعبية.

ومن خلال تصفح هذه الآراء، فإن الناشط والصحفي الأمريكي جلين غرينوالد Glenn Greenwald المنتسب إلى دي أنترسيبت The Intercept المستقرة في ريو دي جانيرو، والمعروف بآرائه التقدمية خاصة فيما يتعلق بمراقبة الدولة الأمريكية، يضيف نقدًا آخر يستهدف كبار مسؤولي الصحة الأمريكيين الذين أيدوا احتجاجات شعبية مثل “حيوات السود مهمة”. وبشكل ملحوظ فإن دعم مسؤول الصحة لهذه الحركة ليس على أساس أهميتها الديمقراطية، بل على أساس المعايير الصحية والطبية: «نحن ندعم حركة “حيوات السود مهمة ” باعتبارها أمرًا حيويًا للصحة العامة الوطنية ولصحة السود المهددة تحديدًا في الولايات المتحدة». أثناء دعمهم لـ “حيوات السود مهمة” على هذه الأسس، أدان هؤلاء الخبراء الطبيون المتظاهرين البيض أيضا الذين يشكلون الفئة الغالبة في مدينة لانسينغ بولاية ميشيغان والذين تظاهروا ضد أوامر البقاء في المنزل. مندفعا تجاه هذا الموقف المزدوج، على ما يبدو، يقدم غرينوالد خيارين: إما أن يحتاج خبراء الصحة إلى الاعتراف بأن أي تجمع من المحتمل أن يؤدي إلى تزايد كبير لعدوى فيروس كورونا (في هذه الحالة يحتاجون إلى التشكيك في تأييدهم لحركات مثل “حيوات السود مهمة”)؛ وإما فإنهم بحاجة إلى تقديم دليل على أن مثل هذه الحركات لها تأثير ضئيل على الصحة العامة (وفي هذه الحالة يحتاجون إلى الاعتراف بأن كل الجلبة حول تدابير التباعد الاجتماعي والسلامة كانت “مفرطة ومضللة وغير مبررة”).

ومن وجهة نظري، هناك فرضية يمكن إثارتها حول موقف غرينوالد تتمثل في إيمانه بـ “قانون واحد” بقدر ما يتخذ موقفًا عمليًا للغاية يوجب توفر “المعايير الصحية والقانونية” نفسها التي تنطبق على جميع المواطنين. في أفضل العوالم الممكنة، يمكن للمرء أن يجادل بأن هذا “القانون الواحد” له قابلية تطبيق متساوية على جميع المواطنين. لكن في الواقع، تعرف الأقليات والفئات المهمشة على نحو شديد القسوة أن حيوات السود أو حيوات الداليت dalit تخضع لتطبيقات مختلفة لقانون واحد، هذا إن كان القانون أصلاً قابلاً للتطبيق.

في مينيابوليس قام ضابط شرطة بخنق وتعذيب جورج فلويد George Floyd  بشكل منهجي لمدة 8 دقائق و46 ثانية حيث ضغط بركبته على رقبة الضحية أمام زملائه وعلى مرأى من الكاميرا. كان بإمكانه القيام بهذا الفعل وهو يعي تماما أن لديه إمكانية الهروب من جريمته الشنيعة. وقد خرج بالفعل بكفالة، لكن لا شيء سيعيد جورج فلويد إلى الحياة. مثل هذا التفاوت في أساليب تطبيق العدالة يتطلب فهماً مختلفاً لـ “قانون واحد”.

وكما جادل بريامفادا كوبال Priyamvada Gopal بقوة ردا على الخلافات المحيطة بحركة “حيوات السود مهمة”، فإنه من العبث التراجع عن لغة المساواة من خلال التذرع بشعار “كل حياة مهمة”، لأن هذا لا يمثل حقيقة “العلاقات العرقية” في الوقت الراهن. كما أن الأمر لا يتعلق بأن نفترض أنه إذا كانت “كل الحيوات مهمة” فتلقائيا “حياة السود مهمة” ومن ثمة فلا يجب على المرء أن يجعل منها قضية أو مشكلة. إنها حجة واهية، كما أكد كوبال، وذلك راجع إلى الحقيقة الجلية في كون “حياة السود ليست مهمة” في سياق الولايات المتحدة حيث يُستهدف ويُجرم ويُسجن الأفارقة-الأمريكيون باستمرار، وحتى قبل تمكينهم من الحق في جلسة استماع قانونية. وفي هذا السياق، فإن رفض مواجهة مشكل القتل المستمر للأفارقة-الأمريكيين بفعل الإيمان المريح بمُبَرِّر أن “كل الحيوات مهمة” يُشجع، وكما يشير إلى ذلك شارلز لينسكوت Charles Linscott بشكل قاطع، على “محو العنصرية البنيوية المعادية للسود والموت الاجتماعي الأسود باسم مساواة شكلية وأيديولوجية وعمى ألوان ما بعد عرقي”.

وبينما يمكن للمرء أن يفترض من منظور تقني ومن خلال إطار معياري – كما يفعل غرينوالد Greenwald – أنه يجب أن يتوفر “قانون واحد” من أجل “جميع الناس”، لكن الحقيقة مجزأة ومُقسمة. ولهذا السبب، كانت الحركة التي تناهض إجرام الشرطة والعنصرية تتميز خصوصا بعلامة “حيوات السود”. لا يتعلق الأمر بـ “حياة” وإنما بـ “حيوات”؛ و”حيوات السود” تحديدا والتي يجب أن تكون مهمة إن كانت جميع الحيوات مهمة.

من الواضح أن حركة “حيوات السود مهمة” لا تعمل ضمن الإطار الوطني لـ “نحن الشعب”، كما سبق لنا فحصه في هذا الجزء. كما أنه لا يجب تصنيفها داخل سياق الهوية الإقصائية. إنه لمن المفيد على المستوى الأدائي تذكر أن الحركة بدأت في عام 2013 مع هاشتاغ “#حيوات السود مهمة” الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. لقد كُرِّرت عبارة “حيوات السود مهمة” على اللافتات والجداريات والملصقات والقمصان في عدد كبير من المظاهرات والتجمعات والمنشآت والجداريات، كما رسمت في بعض الأحيان على أسطح الشوارع، وذلك بدعم كامل من الحكومات المحلية كعلامة على التضامن. سيكون من الصعب التفكير في أي حركة يمكن أن تضاهي القوة المطلقة لبلاغة هذه الحركة كما هو موضح في الشعارات التي قدمت كعلامات بصرية مع المتظاهرين الذين يقومون بعرضها من باب الاستفزاز: “بمن يمكن أن تتصل عندما يرتدي القاتل شارة الشرطة؟”  تتعطل أحيانا صيرورة حركية هذا النوع من الاحتجاجات عندما يستلقي المتظاهرون في الشارع أو على الجسور بدلا من التحرك، مما يعيق حركة المرور، وهم يهتفون في انسجام تام “لا أستطيع التنفس”، وهي نفسها الكلمات الأخيرة التي كررها “جورج فلويد”  George Floydفي لحظاته الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه. يتطلب الأمر إذن قدرا هائلا من الغضب والإيمان والشجاعة لتحويل هذه الكلمات المحتضرة الى أفعال مجسدة جماعيا.

من الواضح أن ما نشهده في مثل هذه التشريعات ليس بأدائية التجمع كما نوقشت سابقا في هذا الجزء، ولكنها “عروض” فعلية يتم القيام بها في سجلات متنوعة ومختلفة من التحريض الفوري وارتجال الغضب والخوف والمقاومة والضعف الشديد. كل هذه الأمور تجتمع كقوة شديدة مثل العرض الذي قام بتقديمه مايكل فراي Michael Frye في الشارع.

إن العرض المنفرد والملتهب الذي أداه مايكل فراي راقصا على خط عمودي وعابرا شارعا في مدينة نيويورك، يتزامن مع كلمات أغنية “ستاند اب” الموصوفة من لدن مجلة “رولينغ ستون” Rolling Stone بأنها “أغنية ملتهبة على نار هادئة ومسكونة بالإنجيل”، ألفها سينثبا ايريفو Cynthia Erivo وجوشوا كامبل Joshuah Campbell. كانت الأغنية قد أًلفت من أجل فيلم “هارييت” Harriet المستوحى من حياة الناشطة “هارييت توبمان” Harriet Tubman والتي أدت دورها ايريفو Erivo في الفيلم. كانت آخر كلماتها قبل وفاتها سنة  1913″أذهب لأجهز لك مكانا”، وقد اتخذت هذه الكلمات لازمةً في الأغنية.

جَسّد فراي كلا من الخوف من ترهيب الشرطة ومقاومةِ اضطهاد السود بارتدائه قميصا أسود كتب على ظهره “أرجوك لا تقتلني”. كان فراي يندفع بقوة الى الأمام بحركات منحنية غاضبة فوق خط عمودي مرئي على سطح الشارع، يتخللها سقوط مفاجئ يشبه سقوط جثة في الشارع، وتليها نفس الحركة المتمثلة في الاندفاع الى الأمام مع إيماءات تندفع في الهواء ولحظات من الاختناق وكأنه يعاني صعوبة في التنفس.

كان الرقص يائسا ومسكونا وهاربا، ولكنه مع ذلك فقد كان مقاوما، ذلك أنه وبشكل عام يحركه أمل طائش. وأفضل ما يعبر عنه هي الكلمات الآتية: “أفعل ما أستطيع، عندما أستطيع، ولما أستطيع من أجل شعبي… وأنا لا أمانع إراقة الدماء في طريقي نحو الخلاص، وسأقاتل بالقوة التي أملكها حتى الموت”. إن تآزر هذه السطور المطلق مع صوت إريفو، الذي يعيد استحضار تاريخ هارييت توبمان Harriet Tubman، والذي يتعارض مع وجود مايكل فراي المحترق والحي في الزمن الحالي لحركة “حيوات السود مهمة”، مؤشر حيوي عن الكيفية التي يمكن بها أن تظهر الأحداث الفارقة في تاريخ السود بشكل صاخب في الشارع. يساهم الارتفاع المستمر لعدد المارة والمتظاهرين الآخرين الذين يساهمون ويشاركون تقريبا في زخم حركة فراي ورقصاته، مما يجبر المرء على الاعتراف بالقوة الهائلة للرقص في الشارع زمنَ فيروس كورونا.

وصولا إلى نهاية هذا الجزء، أكرر مجددا الفكرة السابقة التي مفادها أن إغلاق المسارح لم يمنع وجود عروض مشحونة بالقوة في الأماكن العامة، كما أود أيضا أن أشير الى أنه إذا كان المسرح، من حيث كونه فعلا وجوديا في لحظة تقاسم للزمان والمكان بين الممثلين والجمهور، ربما قد اختفى من فوق الخشبة، فإن خطاب المسرح قد حافظ على وجوده بنشاط وإلحاح في المجال العام.

كان هذا هو الانفجار المفاجئ للجدل والنقاش على شبكات التواصل الاجتماعي حول هذا العرض الناجح الموسوم بهاملتون في برودواي. كنت أتخيل أثناء تقديم العرض في برودواي أن عددا قليلا من الأفارقة-الأمريكيين الذين يعيشون في مدينة نيويورك يمتلكون القدرة على شراء التذاكر التي قد تكلف ما بين 400 و1000 دولار. في هذه الحالة من الاختفاء الحصري لمعظم شرائح المجتمع نما رصيد هاملتون الرمزي والثقافي والمالي كواحدة من أكثر المسرحيات الغنائية تقدما في تاريخ برادواي مع طاقم مختلط عرقيا والذي يجسد دور الآباء المؤسسين للأمة الأمريكية.

ثم حدث ما لا مفر منه، اضطر عرض هاملتون إلى التوقف الاضطراري بسبب الجائحة. لم يكن الأمر مختلفا في هذا الصدد عن هاري بوتر Harry Potter. ومن المفارقات أنه في هذه اللحظة، أتاحت ديزني Disney توزيع تسجيل للمسرحية الغنائية على نطاق واسع. ويمكن القول إنها تردد صدى لويس الخامس عشر: “يأتي بعد العرض، الطوفان”. فلْننسَ حقيقة أن التسجيل نفسه روتيني وثنائي الأبعاد على المستوى التقني الى حد كبير، لكن أداء الممثلين الرئيسيين يأتي بقوة تمثيلية وشجاعة صوتية هائلتين.

عبر عدد كبير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي – وهم يشيدون بالأداءات – عن تصورات متضاربة حول أشكال المحو الجلية التي طالت العرق والعبودية في أثناء إنتاج نقد شديد القوة والدقة. أرى هذا كواحد من المزايا الجانبية للوباء، حيث أنه يتمتع بهذه القدرة غير العادية على إطلاق إضاءات غير متوقعة حول الحياة والتاريخ. لم يسبق في تاريخ مسرحية برودواي الغنائية أن يعرض أحد تمثيلاتها لهذا النوع من النقد السياسي النابع من الثقافة العامة. لم نعد نسمع الكلام المنمق المعتاد لبعض الأصوات المحظوظة في وسائل الإعلام الرئيسية التي تقدم رأيها حول المسرحية الغنائية؛ بل بدلاً من ذلك، كان عدد كبير من الأصوات القادمة من قطاع عريض من المجتمع والتي ساهمت بمجموعة متنوعة من الآراء حول كل من الاختراقات الإبداعية والقيود السياسية للمسرحيات الغنائية.  

من وجهة نظري، لا يمكن فصل هذه اللحظة الحاسمة عن الديناميات الأكبر لحركة “حيوات السود مهمة” حتى لو لم يكن للحركة والمسرحيات الغنائية أي علاقة ببعضهما البعض. ومع ذلك، كانت هناك علامات ملموسة على أن الناس كانوا يقرؤون مسرحية غنائية بوعي تاريخي عبر مساءلة العنصرية والعبودية والهجرة وإلغاء عقوبة الإعدام في هاملتون في الصورة الرمزية التي ظهرت بعد الجائحة. وبصفتي ناقدًا يائسا بشكل عام من غياب النقد في المسرح وفصل الممارسة المسرحية عن الخطاب العام، لا يسعني إلا أن أشيد بهذه اللحظة. على الرغم من الخسارات الكثيرة التي عرفتها الأشهر الأخيرة بسبب فيروس كورونا، إلا أن بعض الأشياء قد حُققت بطرق غير مسبوقة.

شاهد أيضاً

مهرجان طنجة المشهدية يكرم سليمة مومني وعبد العزيز الخليلي في افتتاح دورته 18

منذ أولى دوراته، ومهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، يحتفي برموز الفرجة وفنون الأداء، إن من …

“الجسد الفرجوي”: محور نقاش الدورة 18 لمهرجان طنجة للفنون المشهدية طنجة، 26-30 نونبر 2022

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة الثامنة عشرة من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

التقرير الأدبي 2017-2021

  كلمة لا بد منها 1. مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية (من 2017 إلى 2021) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *