د. حسن يوسفي
يستدعي الحديث عن الفرجة في علاقتها بالمجال الرقمي Numérique استحضار التحولات الكبرى التي طالت الممارسة الفنية، بشكل عام، في سياق ما عرف ب “الثورة الرقمية” التي عاشها، بالخصوص، العقد الأخير من القرن العشرين، لاسيما من خلال ظهور جيل جديد من الحواسيب والبرامج المتطورة، وكذا من خلال ما فتحته الشبكة العنكبوتية (الأنترنيت) من تواصل وتفاعل قويين على الصعيد الكوني بين مختلف الأجناس والثقافات والشعوب والحضارات واللغات الموجودة على سطح الكرة الأرضية.
ونظرا لكون الفنانين وممارسي كل أشكال الإبداع المختلفة كانوا من بين الأوائل الذين حرصوا على استعمال الوسائط الجديدة التي أتاحتها الثورة الرقمية، فقد كان طبيعيا أن يتبلور ما عرف ب “الفن الرقمي Art numérique” الذي تجلى عبر مجموعة من الممارسات الإبداعية التي انتقلت من استعمال الرقمي باعتباره أداة للإنتاج الإبداعي الفني نحو استعماله باعتباره وسيطا تفاعليا. وقد كان طبيعيا أن تتأثر الممارسة الفرجوية بمختلف تلويناتها بهذه التغييرات التي لحقت الممارسة الفنية، بشكل عام، بكيفية جعلت المنظور الجمالي الذي كان يؤطر مفهوم الفن ذاته في إطار ما عرف ب “علم الجمال” المؤسس على التصورات الفلسفية الممتدة في عمق الفلسفة اليونانية والفلسفة العقلانية الحديثة لاسيما مع كانط وهيجل وغيرهما، متجاوزا وغير قادر على استيعاب العناصر والأبعاد الجديدة لما يمكن نعته ب “الجمالية الرقمية”. من ثم، يبدو الفهم الموضوعي لتحولات الفرجة في سياق العالم الرقمي رهينا باستحضار هذا التغيير الذي طال المفهوم الجمالي للفن نفسه.
- الفرجة من الجماليات التقليدية إلى الجماليات الرقمية:
مما لاشك فيه أن الممارسة الفنية عموما – بغض النظر عن قيمتها الجمالية التي ترتبط في الغالب بمنظورات فلسفية تعود جذورها إلى الفكر اليوناني وتمتد في الفلسفة الغربية الحديثة بدءا من عصر الأنوار – تستند إلى قواعد خاصة بها تتحكم فيها طبيعة العلاقة المؤطرة للثالوث الذي يتأسس عليه الفن في أبعاده الذاتية والموضوعية والثقافية ،وهو ثالوث: التجربة والتجريب والممارسة. ذلك أن “مجموع التفاعلات هذه الدعامات الثلاث يحدد ما يمكن تسميته، بكيفية استعارية نوعا ما وتبسيطية، ب”المثلث النسقي للفن” “(1).
فكل ممارسة فنية – حسب هذا التصور – تقوم على جانب ذاتي يتصل بحساسية الفنان وفرديته يتبلور في إطار تجربة، إلا أن ثمة نوعا من السياج العقلاني أو التصوري أو التقني يضفي على هذه التجربة نوعا من الموضوعية ،لاسيما وأن الممارسة الفنية تحتاج إلى ركوب آليات التجريب من أجل تتشكل وتتطور. ولأن للممارسة الفنية امتدادات في التاريخ والاقتصاد والمواضعات الاجتماعية، فإن البعد الثقافي يبقى حاسما في تحديد سيرورة هذه الممارسة وصيرورتها. إلا أن هذا التصور النسقي للفن الذي تعود روافده إلى الجمالية الكلاسيكية سرعان ماعرف نوعا من التغير أو التحول مس مكونات هذا الثالوث، فأدى، بالتالي، إلى إعادة النظر في المفهوم الأساسي الذي يقوم عليه الفن، لاسيما في سياق ظهور ما يمكن تسميته ب “الجمالية الرقمية” التي سبق أن أشرنا إلى كونها نتاجا للثورة الرقمية لنهاية القرن الماضي. ذلك “أن الفن بمجرد أخذه للتكنولوجيا الرقمية باعتبارها مادة، وبموازاة ذلك باعتبارها أداة لمعالجة هذه المادة، يختلف بمظاهره الشكلية وبطرق وساطته عما كان يعد فنا إلى حدود الآن، وعما كان يعد قاعدة للفن وله علاقة به”(2).
وطبيعي جدا أن يؤثر هذا التحول على نوعية الطموح النظري الذي كان يتأسس عليه علم الجمال في نظرته للفن. ففي “نهاية القرن العشرين، تجد فلسفة الفن نفسها مجبرة على التخلي عن طموحها السابق: أي النظرة الجمالية العامة، التي لها أن تغطي عالم الحساسية، والتخيل والإبداع”(3).
في سياق هذا التغير، يتعين فهم التحولات التي طالت الممارسة الفرجوية باعتبارها ممارسة فنية، لاسيما وأن طبيعة اشتغالها وقدرتها على الملاءمة والتفاعل مع التكنولوجيا الرقمية قد يسرت إمكانات تجديدها لطرق إبداعها وإنتاجها وتلقيها. لقد أصبحت الفرجة في السياق الرقمي الذي فتح الباب أمام نوع من “الجمالية الشمولية” بمثابة “فن يبدعه الجميع” ،وذلك في إطار نوع من المنظور الطوباوي الذي يتيح “الإبداعية للجميع من أجل الجميع”. وربما لسنا في حاجة في هذا الإطار إلى التذكير بالإقبال الذي تلقاه المواقع الاجتماعية والترفيهية على شبكة الإنترنيت خصوصا على صعيد الفرجات المتبادلة بين رواد الشبكة العنكبوتية سواء في الفايسبوك أو التويتر أو اليوتوب أو غيرها. فكل من التقط مشهدا أو حدثا أو صنع فرجة ما بوسيلة من الوسائل التقنية المتاحة، وحسـم – بشكل ذاتي ولا واع أحيانا – في فرجويتها، يحرص على تقاسمها مع رواد الإنترنيت بشكل جعل الفرجة فنا مفتوحا على كل الاحتمالات، وأدى بالتالي إلى وضع خطير تمثل في بروز ما يمكن تسميته ب “الفن الجاهز” الذي يتحقق عن طريق التحكم في طريقة الاستعمال Mode d’emploi، وليس عن طريق تفاعل المكونات الثلاثة ل “المثلث النسقي للفن” السابق ذكرها، وبالتالي يصبح الحديث عن الفرجة خارج دائرة المفاهيم المتصلة بالنظرية الجمالية بما فيها الحساسية والخيال والإبداع.
- الفرجة باعتبارها “فنا رقميا”:
لعل من أبرز ملامح الانتقال من “العصر الصناعي” إلى “العصر الإلكتروني” دخول التقنية إلى عالم الفن. هذا الدخول الذي فتح على الصعيد الإبداعي إمكانات هائلة للفن التقليدي بأشكاله المعروفة لكن يستثمر طاقات جديدة في التعبير عن نفسه، مثلما فجر آفاقا فنية جديدة تعتمد الوسائل الحديثة في الإنتاج والتلقي على حد سواء. كل هذه الإمكانات تندرج في سياق بروز ما عرف ب “الفن الرقمي l’Art numérique”، وهو الفن الذي يستعمل التكنولوجيا الرقمية إما كأداة outil أو كوسيط Medium، حيث توظف في البعد الأول لإنتاج أعمال تقليدية تنتمي للفنون المعروفة كالفوتوغرافيا والنحت والموسيقى وغيرها، إلا أنها في الاستعمال الثاني تعمل على إنتاج وعرض العمل الفني في صيغته الرقمية مستغلة الطاقة التفاعلية والتشاركية للرقميات.
في هذا السياق تؤكد إحدى الباحثات في الفن الرقمي أن “الفنانين، سواء تخصصوا في التشكيل أو الرسم أو النحت أو الفوتوغرافيا أو الفيديو، يزداد عددهم، بشكل لا جدال فيه فيما يتعلق باستعمال التكنولوجيات الحديثة باعتبارها أداة في إطار إنتاجهم الفني. فتارة تظهر أعمالهم خصوصيات الوسيط الرقمي، وتقترح تفكيرا في لغته وجماليته، وتارة يكون استعمال هذه التكنولوجيا بكيفية جد حاذقة يصعب معها معرفة ما إذا كانت الطرق المستعملة رقمية أم تناظرية”(4).
وإذا أخذنا المسرح باعتباره نموذجا للفرجة التي كانت تمارس بصيغتها الأصلية، وبالتالي للممارسة الفنية بشكلها التقليدي، فإننا نلاحظ أن استعماله للتكنولوجيا الرقمية كأداة يجعلنا حينا أمام فرجة تقليدية مقدمة عبر وسيط رقمي، لكنه يضع أمامنا، حينا آخر، صيغة رقمية تفاعلية لعرض لا يمكن تقليه إلا باستعمال هذا الوسيط. من ثم، كان طبيعيا أن يؤكد أحد الدارسين أن “تقدم اللغات الجديدة للوسائط المتعددة، وبخاصة الفضاء الإلكتروني في حقل الفن التمثيلي يجدد ليس فقط أشكال التمثيل، ولكن أيضا الخبرة الجمالية”(5).
والواضح أن هذا التجديد في الخبرة الجمالية للمسرح خاصة، وللفرجة بشكل عام، إنما يجد مدلوله الحقيقي في الاستعمال الثاني للرقميات في المجال الفني، أي باعتبارها وسيطا Medium. في هذا السياق، تؤكد كريستيان بول Christiane Paul أن “استعمال الرقميات باعتبارها وسيطا فنيا يفترض أن العمل الفني، من إنتاجه إلى عرضه، لا يستعمل إلا القاعدة الرقمية plate-forme numérique، وأنه يعرض ويستثمر الطاقات الملازمة لها. فالرقمي، من بين ما يتميز به كونه تفاعليا، تشاركيا ديناميا واستهلاكيا، وهذه الخصائص تعكس جمالية خاصة جدا. فالأعمال الفنية التي تخلق انطلاقا من هذا الوسيط جد متنوعة وهجينة في غالب الأحيان، فقد تأخذ شكل تشييد Installation تفاعلي، في إطار الشبكة أو خارجها، إبداعا برناميا logicielle مكتوبا من لدن الفنان، أوموضوعا لفن أنترنيتي Net art خالص، أو نوعا من التأليف بين هذه الجوانب الثلاثة”(6).
إن الفرجة عندما تصبح فنا رقميا تحوز كل الخصائص التي تميز هذا الفن حيث التفاعلية Interactivité تفتح إمكانات إبداعية جديدة لم تكن متاحة في الصيغة الفرجوية التقليدية، والطابع التشاركي participatif يجعل الفرجة خاضعة لتدخل العديد من مستعملي التكنولوجيا الرقمية، والخاصية الدينامية Dynamique تحول الفرجة إلى مجموعة شفرات وكتابات، وبالتالي تتغير تبعا لتغير حجم المعطيات وإيقاع إرسالها في الزمن عبر الوسيط الإلكتروني، وأخيرا الطابع الاستهلاكي Customisable يجعل الفرجة خاضعة لحاجيات وتدخلات المستعمل.
- الفرجة الرقمية: “فن جاهز” أم إبداع؟
بديهي أن يطرح مثل هذا السؤال لأن من شأن التغيير الذي طال الإطار الجمالي للفرجة في سياق الرقميات وحول ،بالتالي، المنظور الفني المتحكم في ممارستها، أن يدفع إلى إعادة النظر في خاصيتها الإبداعية، لاسيما وأن صانع الفرجة لم يعد يتحكم، وفق إمكانات بشرية محضة (الكلمة، الجسد…) في صناعته، بل تدخلت تقنيات وبرامج وآلات وطرق جديدة في الإنتاج والتواصل، في عمله. وهذا التدخل الذي أصبح في متناول الجميع أصبح من الصعب معه تمييز فئة خاصة من “صناع الفرجة” يمكن التعامل معهم كفنانين محترفين.
إن جسد الفرجة أصبح مستباحا بشكل ترتبت عليه مجموعة من النتائج يمكن إجمالها في ما يلي:
– ظهور جيل جديد من صناع الفرجة ذوي تكوين علمي وتكنولوجي. فكل من يتحكم في التقنيات المعلوماتية والآليات الرقمية يسمح لنفسه بأن ينتج فرجة ويستغل الشبكة العنكبوتية، بمواقعها المتنوعة والكثيرة، ليتقاسمها مع متلقين لا يتكهن لا بعددهم ولا بأصنافهم لأننا أصبحنا، في هذه الحالة، أمام “فن من أجل الجميع”.
– تغير شروط إبداع وإنتاج وتلقي الفرجة بكيفية تتطابق مع الخصائص الملازمة للفن الرقمي الذي أصبحت الفرجة جزءا لا يتجزأ منه.
– تحول الممارسة الفرجوية من ممارسة إبداعية إلى ممارسة تقنية محضة، بشكل بات يهدد الإبداعية الملازمة لطبيعة الفرجة ،ويخضعها لما يسمى بطريقة الاستعمال التي تنتج، في الغالب، فنا جاهزا.
– انتقال ذاكرة الفرجة من إطار الذاكرة الحية إلى سياق الذاكرة الافتراضية(7) بكيفية تجعل مسار هذه الفرجة خاضعا لإكراهات ما يمكن تسميته ب “المجال العام الافتراضي”، وهو مجال مفتوح على كل الاحتمالات تختلط فيه عدة عوامل سياسية، دينية، وجدانية، أخلاقية، ويوجهه عدة متدخلين(حقيقيين أو مقنعين)، كل من موقعه الخاص.
يستخلص مما سبق، أن انفتاح الفرجة على الأفق الرقمي بقدر ما أتاح لها إمكانات هائلة في الإبداع والإنتاج والتلقي، بقدر ما وضعها في سياق وضعية هجينة “ضد-إبداعية” أحيانا، من أهم مخاطرها تذويب الحدود بين ما يشكل فرجة فنية خالصة خاضعة لمنظور جمالي تشتغل فيه حساسية المبدع وتجربته وثقافته، وبين الفن الجاهز الذي يكفي أن يتحكم صاحبه في “طريقة الاستعمال” ليصنع ما شاء من فرجات.
- الهـوامــش:
– Jean-Pierre Balpe – Les concepts du numérique (in) l’Art et le numérique – Hermes science Europe, 2000 – p 14.
- Ibid – p 15.
- مارك جيمينيز – ما الجمالية؟ – ترجمة د. شربل داغر- المنظمة العربية للترجمة – الطبعة الأولى – بيروت – أبريل 2003 – توزيع مركز دراسات الوحدة العربية – ص 433.
- -Christiane Paul – L’Art numérique – Edit Thames et Hudson – Londres 2008 – p 27.
- أنطونيو بيتزو – المسرح والعالم الرقمي: الممثلون والمشهد والجمهور – ترجمة دكتورة أماني فوزي حبشي، مراجعة سعد أردش – الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010 – ص 32.
- -Christiane Paul – op. cit., p 67.
- للتفصيل في الموضوع يمكن مراجعة كتابنا: د. حسن يوسفي – المسرح والحداثة – منشورات وزارة الثقافة – الرباط 2009.
furja.ma furja.ma