“من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة”

صدر عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة ترجمة للمفكرة الألمانية إريكا فيشتر ليشته، في كتاب يضم عُصارة مشروعها النقدي الذي يمتد على مدى ثلاثة عقود من البحث العلمي، الذي انطلق من أسئلة “المثقافة” التي ظلت محاصرة بتناقضات معيبة، ليصل إلى مفهوم “تناسج ثقافات الفرجة” كمفهوم يتغيّى إعادة التفكير في مسرح المثاقفة، مؤسسا لتنظيرات استشرفية “تروم تجاوز أفق تنظيرات “ما بعد الاستعمار”، منفتحة في سبيل ذلك على وجهات نظر أخرى بخصوص الأداء/ العرض/ الفرجة، ومُستندة دائما على مفهوم “النقد المزدوج” كما طرَحه البروفيسور خالد أمين الذي انطلق في طرحه مما دعا إليه عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي في الحاجة إلى “سوسيولوجيا ضد الاستعمار” في العالم العربي، تكون مبنية على نقد مزدوج.

في هذا الكتاب الذي ترجمه ووضع تقديما له خالد أمين؛ تُعيد إريكا فيشتر التفكير في مسرح المثاقفة، بوصفِ “المثاقفة” تفاعلا بين الثقافات، وسعيا نحو الانفتاح دون انصهار؛ ما يجعل “الانفتاح” معه، وإن كان مبنيا على الحوار، مسكونا بهاجس الهيمنة والتفوق، وهو ما يحكم عليه مسبقا بالموت.

تكمن أهمية طرح إريكا فيشر ـ حسب خالد أمين ـ “في إيمانها بأن المسرح متأرجح بين الأنا والآخر، والهوية والاختلاف، وتمتزج فيه الأزمنة المختلفة”. وبأن “انتشار الثقافات الفرجوية، خاصة تلك التي تتحرك من الشرق صوب الغرب، تسهم في تحرير المجال الثقافي الغربي من الاستعلاء الهوياتي وتقويض التمركز الغربي”. وبوعي نقدي خالص وغير مهادن، ترى فيشتر ليشته أن هذا التفاعل يخفي في طيّاته نزعة الاستعلاء الهوياتي الغربي، ويُعلنُ من حيث اعترافه بالآخر عن تفوقه المزعوم دُون أن يُفصح بذلك. فمصطلح مسرح المثاقفة يشير إلى: “التفاعل بين ثقافات مختلفة في التأثير والتأثر، وفي التمثّل والتبادل”، أي إلى ما يمكن اختزاله في عبارة “المشاركة”. غير أن هذه المشاركة لم تكن دائما عادلة، حيث وضعنا المفهوم أمام إشكالات أخرى، من قبيل استغلال ثقافات الضعفاء، بل وتُجهِز من ثمة على الثقافات المحلية. وبذلك افتقد مسرح المثاقفة إلى الندية بين الثقافات، مكرسا تراتبية غير منطقية وتقسيمات جغرافية أساسها المركزية الغربية والهامش الشرقي. أي أن مسرح المثاقفة يبقي “شرخا حادا بين ثقافة الأنا وثقافة اللآخر”. في حين أن “التناسج” بوصفه مفهوما، يؤمن بأن “الثقافات تخضع باستمرار إلى عمليات التغيير والتبادل التي قد يصعب فصل كل عناصرها عن بعضها البعض”. ذلك أن عالم العصر الحديث، حسب الجابري، يعيش حضارة واحدة شاركت وتشارك جميع الشعوب في صنعها، وبالتالي فهي حضارة إنسانية.. بمعنى أنها من صنع الإنسانية جمعاء.

جاء كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة” إذن، ليضع حدا للتداخلات بين مفهوم المثقافة (Interculturalism) الذي يستعمل مرادفا لعبارة “بين ـ ثقافات”، وبين مصطلح “مسرح المثقافة”، ومن تم تجاوز ما ارتهن إليه مسرح المثقافة من التباسات التداول في أوساط البحث المسرحي الدولي، وما ترتب عليها من إشكالات من قبيل الخوف على الهويات الوطنية في ظل الثقافة العولمية.

يقع الكتاب في 216 صفحة من القطع المتوسط، متضمنا ثلاثة فصول، بالإضافة إلى تقديم يوضح فيه خالد أمين الأسس التي يقوم عليه مفهوم “تناسج الثقافات الفرجة”، خاصة وأنه انخرط في بناء تصور هذا المشروع النقدي رفقة باحثين آخرين منذ بداياته، معرجا على مأزق “المثاقفة المسرحية” وما مرت به من حروب وتدافعات هوياتية خلال فترة ما بعد الاستعمار، وما ترتب عليها من تنظيرات ما بعد المستعمرة التي كانت أفقا للقاء الشرق بالغرب، ومن ثم إعادة النظر في الحداثة المسرحية وتفكيك مركزية المثقافة المسرحية الغربية، ليصل إلى مشروع التناسج الذي يلتئم حوله ثلة من الباحثين من مختلف بلدان العالم، ومن بينهم هومي بابا، روستوم باروتشا، مارفن كارلسن، خالد أمين، كريستوفر بالم، ربيع مروة، جاكلين لو، نورا أمين، نيكولا سافاريسي، وآخرون..

وقد تناول الكتاب في الفصل الأول موضوع “مسرح المثاقفة”، متطرقا إلى المسرح بين المتشابه والمختلف، ومسرحة الغريب كأفق للتحول الثقافي، وإعادة المسرحة بوصفها تلقيا منتجا لمسرح شرق آسيا. في حين تناول في الفصل الثاني موضوع تناسج ثقافات الفرجة، راصدا حالات مختلفة للوجود البيني، مبرزا مأزق المثقافة، وكيف غطى “التناسج” الفراغ الحاصل جراء هذا المأزق، وأعاد التفكير في حوار شرق ـ غرب.

أما الفصل الثالث من الكتاب، “المعنون بحوار المثاقفة المسرحية” فقد تضمن حوارا ماتعا ومفيدا في الآن نفسه، مع المفكر الهندي روستوم باروتشا والأكاديمي المغربي خالد أمين. حوار عمق النقاش الدولي حول “مسرح المثاقة” و”تناسج ثقافات الفرجة”.

فاذا كانت إريكا فيشر تقترح “التناسج” بوصفه مفهوما لا يخفي أي حمولات تاريخية تنم نزعة الهيمنة والاستعلاء، فإن رستم باروتشا ـ رغم اقراره بالشحنات السلبية لمسرح المثاقفةـ يرى أن الجزم باختيار تسمية التناسج كفيل بوضع حد للتمركز الغربي حول الذات مسألة صعبة المنال، بل قد تفرز التسمية مشاكل جديدة بالإضافة إلى إفصاحه عن تموقفه من إضفاء الطابع المؤسساتي على “التناسج”، معتبرا أنه في جوهره أسلوب عمل ونشاط ثقافي وليس مؤسسة.

وفي حوارها مع خالد أمين، نرى أن هذا الأخير يؤمن بأن العالم فضاء مشترك وأن فضاءات العرض رمز هذا العالم، وهذا ما تتفق فيه معه إيريكا فيشتر. حيث يمثل تناسج ثقافات الفرجة التجسيد الفعلي لهذا الطموح “المثالي”، مادام التناسج لا يعاين التقاليد الفنية بوصفها فلكلورا من جهة، ويتجاوز الرؤية الاستشراقية من جهة ثانية، ويسعى الى بلورة الاختلاف. وهنا تعتبر ايريكا فيشر النقد المزدوج الذي يمارسه الباحث المغربي خالد أمين ضرورة ملحة لتقويض التمركز وهدم الهوة السحيقة بين الشرق والغرب التي تولدت عن الصراعات الهواتية.

أحمد فرج الروماني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *