“المسرح ودراسات الفرجة” أو ما بعد الدراما كمحرقة عالمية د. يوسف الريحاني

  • د. يوسف الريحاني

نعيش عصرا يقتات فيه الفن من تخمة الدوال، بينما تأفل المدلولات شيئا فشيئا. والفنون الأدائية اليوم، لا تنفلت من هذه القاعدة. ذلك أن طغيان وسائل الميديا، التي عبرها تُضَخٌ المضامين، تؤدي في نهاية المطاف إلى انغمار المعنى وخسارته. يمكن اعتبار الفنون الأدائية الراهنة بمثابة نماذج إجرائية بامتياز لأنساق خارج- المعنى، وخارج تداوله. نستعير هنا فرضية شانون Shannon فنقول بأن الفنون الأدائية اليوم أو ما بعد المسرح هي مجرد أداة أو وسائط رقمية وتقنية، لا تنطوي بالضرورة على أية غائية في المعنى.

الفنون الأدائية اليوم مدمرة للمعنى، كما للذات. هذه الفرضية، هي الأهم لفهم التحولات الحاصلة اليوم في فنون الأداء Performance Art، أو ما يرتئي الدكتور خالد أمين بترجمته ب (الفرجة). وإذا شئنا القول، فإن صيغة: [ المسرح رسالة] لم تعد تعني اليوم نهاية الرسالة فحسب، فهذا يعود إلى نصف قرن خلى عندما صاح يونسكو Ionesco قائلا: « لست ساعي بريد لأحمل رسالة »، بل أصبح يعني نهاية المسرح أيضا وأفوله. لم يعد المسرح مسرحا بالمعنى الحرفي الذي طالما تداولناه ( بمعنى سلطة تتوسط بين حالة من الواقع وأخرى من حيث المضمون أو الشكل)، وإنما صارت الصورة الرقمية بمثابة الفجوة التي تلتهم وتبتلع كل شيء. تماما كحالة ويني Winnie في فجوة الثلة. وإذا أردنا الذهاب إلى أقصى حد، فقد صار ما بعد المسرح يحيا عند انمحاق الحدود والتعارضات والصراعات. لذا، من المستحيل تصور أية ثورة مسرحية عبر المضمون/ الشكل. وحدها الصورة الرقمية وعوالمها الافتراضية هي السديم العصي على الفهم.

أعتقد بأن مثل هذا التقديم يشكل مدخلا أساسيا لترهين القيمة الإجرائية لكتاب رائد مثل كتاب (المسرح ودراسات الفرجة) لمؤلفه الدكتور خالد أمين. والصادر ضمن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة (سلسلة دراسات الفرجة) بطنجة خلال السنة الجارية، التي نوشك على توديعها. وفي تصوري المتواضع، فإنه من المهم الإشارة إلى أن إسهام هذا الباحث في تطوير مجال الفرجة العربية، لا يقف عند حدود دور ذلك الأكاديمي المتعالي، القابع وراء مكتبه مواكبا أو محللا. على العكس، يحاول الدكتور خالد أمين باستمرار أن يكون في موقع الفاعل، عبر انخراطه في تنظيم سلسلة ندوات قيمة بالجامعة المغربية، ظلت طيلة عقد كامل تجمع حولها ثلة من أهم المشتغلين بالحقل المسرحي تنظيرا وإبداعا. ثم عبر إسهامه الفاعل في تأسيس مختبر المسرح المغربي الذي يترأسه الدكتور حسن المنيعي، وأخيرا، عبر تأسيسه للمركز الدولي لدراسة الفرجة،  الذي أغنى المسرح المغربي والعربي بالعديد من اللقاءات والندوات هامة، وجد أغلبها طريقه للنشر والتوزيع، دون إغفال العديد من النصوص والدراسات والأبحاث الهامة التي أشرف المركز على نشرها بإمكانيات جد متواضعة وتجاهل رسمي غير مبرر أو مفهوم. إن كل ذلك، إلى جوار بحثه المتواصل في ظواهر الأداء الفني، من خلال محاضراته بالجامعة المغربية آو بألمانيا، وحضوره المتواصل مع الهيئة الدولية للباحثين المسرحيين. هذا ما يؤهل هذا الباحث بامتياز، ليكون في طليعة القابضين على الجديد، وعلى كل التحولات. وهذا الكتاب الأخير لا يخرج عن هذا التصور. إذ يحاول أن يرصد مختلف التحولات التي طرأت على الفرجة العربية، عبر وقوفه بالدراسة والتحليل ما يمكن ينعته ب: أسئلة ما بعد الدراما في المسرح العربي المعاصر.

  • فكيف ينحت الكتاب مفاهيمه؟ – وكيف يصوغ تصوراته وأحكامه؟

يستهل الدكتور خالد أمين مؤلفه بتحديد دقيق لمفهوم الفرجة، التي من وجهة نظره هي الترجمة الدقيقة ل: Performance. ويبرر اختياره ل: “فرجة” عوض “أداء”، اعتبارا لكون هذه الأخيرة: متعددة المظاهر ومتشعبة المعاني إلى درجة يصعب حصر كل مجالاتها الدلالية، وأوجه استعمالاتها، كما أنها تطرح مشاكل عدة حينما تترجم إلى اللغات الأخرى” [1]أما كلمة “فرجة”، فهي دائما من وجهة نظره: أشمل من الأداء ومن المسرح، لكونها قد تشمل الشعائر والاحتفالات، والألعاب الرياضية”[2]

 وبعد انتقاده للتصور الأرسطي، الذي يختزل دراسة المسرح في بعده النصي دون الفرجوي، يطرح الدكتور خالد أمين ضرورة إعادة النظر في تعريف المسرح، حيث يحاول الاستفادة من منجزات رواد ما بعدة حقبة الاستعمار، الذين خلخلوا مركزية المفاهيم الثقافية الغربية، وعلى رأسهم يوجينيو باربا Barba، الذي أعاد تعريف المسرح عبر ربطه بطقوس الفرجة الكونية. كما ينتقد ادعاء شيكنر Schechner الذي يكتفي بعبارة (سلوك مصاغ أكثر من مرة) لتعريف الفرجة. وبالمقابل، يحدد خالد آمين مكونات الفرجة في بعدين: -تواصلي وآخر متعلق بالفعل أو الممارسة. إن الفرجة بذلك: «جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي، وهما معا يتوجدان قيد الاختبار ضمن عملية الشرعية الاجتماعية»[3]

ومن المفاهيم المهمة الأخرى التي يتوقف عندها الباحث، مسالة فرجة الحلقة، وبروز الحاجة للمثاقفة الفرجوية في المسرح الغربي.. لتجاوز حالة العقم التي انتهى إليها المسرح في أوروبا في النصف الأول من القرن المنصرم، الناتجة عن انغلاقه على ذاته.

ومن المفاهيم المهمة الأخرى التي يتوقف عندها الباحث، مسالة فرجة الحلقة، وبروز الحاجة للمثاقفة الفرجوية في المسرح الغربي.. لتجاوز حالة العقم التي انتهى إليها المسرح في أوروبا في النصف الأول من القرن المنصرم، الناتجة عن انغلاقه على ذاته. وهما تستحضرني شذرة غيميل سيوران Emile Cioran عندما قال: «كل شعب في مرحلة من مراحل تطوره، يذهب به الاعتقاد إلى أنه شعب مختار، وعنذئد يعطي أفضل وأسوأ ما لديه»

لقد تمكن الأوروبيون من حل مشاكل ضخمة كامنة في تخوم الممارسة المسرحية بالاقتناص من تقنيات الفرجة الآسيوية، وبالرحلة المشرقية أو لقاء الغرب بالشرق. وهو محور أفرد له الباحث بضع صفحات توقف فيها على تجارب جاك كوبو Jacque Copeau مع المسرح الياباني، وكوردن كريغ Gordon Graig مع الأقنعة الآفريقية، ولقاء بريشت Brecht مع الفنان الصيني ماي لانغ فانغ Mei Lang Fang. وتمرس باربا Barba مع الكاتاكالي. كما توقف عند تجربة كروتوفسكي Grotowski الرائدة مع طقوس الشرق، التي عبرها قام بإصلاح شامل لمفهوم الأداء المسرحي. كل ذلك، دون أن يغفل الإشارة إلى تجربة مسرح الشمس والبوف دي نور Bouffes du nord

قد نعلق بأن كل هذا سبق التعرض له في كتب ودراسات سابقة. أي نعم.. ! لكن الباحث تعدى استعراضه للتجارب إلى محاولة نقدها، كما في محور: (نقد مسرح المثاقفة)، حيث يخلص إلى أن معظم هذه التجارب على جدتها، كرست في النهاية النموذج المسرحي الغربي.

  • لكن، ماذا عنا نحن؟ .. عن لقاءنا كمشارقة بالغرب؟

إن استعراضه المكثف لأهم التجارب العربية: ( الصديقي، العلج، عبد الرحمن كاكي، علولة، عز الدين المدني…) – وكلها تجارب مرتبطة بالممارسة جعلته يصل في الأخير إلى قناعة انتقادها، لغلوها في الانغلاق على الذات،وحصر مفهوم (الخصوصية) في أضيق الحدود. وبالمقابل، يدعو الباحث إلى مشروع آخر يروم تناسخ ثقافات الفرجة، دون أن تكون هناك غلبة لطرف على حساب آخر. فيقول: «يتشرف مشروع تناسخ الثقافات المسرحية أفقا جديدا من التنوع الفرجوي عوض السقوط في أوربة أو تنميط الثقافات المسرحية الغير غربية، ذلك أن المفهوم الجديد يضع اليد بشكل دقيق على جوهر الثقافة من حيث هي سيرورة مستمرة ومجددة لبينية الاختلاف»[4]

إذا كان مضمون الفصل الأول من الكتاب موضوع نقاش طويل لا يزال مستمرا، فإن خالد أمين اختار أن يتطرق في الفصل الثاني إلى موضوع غير مطروق بالمرة. ونعني به، ذاك المتعلق بأسئلة ما بعد الدراما في المسرح العربي المعاصر. فيعمد إلى رصد التغيرات العميقة الطارئة على فرجة الراهن، وأهمها تفاعل المسرح مع البرفورمانس، والتقنيات الرقمية والهابنينغ، مما ساهم في إنتاج دراماتورجيا مغايرة تماما. إن النقد السائد يجد نفسه في حرج تام عندما يتواجه مع هذه الفرجات، لذلك، يعمد أغلب النقاد إلى تجاهلها.

  وقد كان لزاما على الباحث أن يدشن هذا المبحث بالوقوف عند تجارب عالمية في الوسائطية الفرجوية في المسرح المعاصر، وخاصة تجربة الكندي روبرت لوباج Robert Lepage  الذي تعتمد عروضه على شاشات ضخمة متعددة، تبث صورا مسجلة أو مباشرة، وعلى نظام صوت قوي وآليات دينامية تعيد ترتيب الفضاء الفرجوي.

إن الإحاطة بهذه التحولات الحاصلة في الخشبة المعاصرة La scène contemporaine أساسي لفهم بانوراما الدراماتورجيا المغايرة في الوطن العربي، وهي التي يحددها الباحث في ثلاث تجارب أساسية: تجربة لبنان مع أعمال ربيع مروة ولينا صانع. وهي فريدة من نوعها، وتمكنت بعد عقد كامل من الاشتغال، أن تجد لها موطئ قدم على الساحة العالمية. ومن أهم أعمالهما: (بيوخرافيا – 2002)، ( فيديو برفورمانس- 2004)، ( من يخاف التمثيل- 2005) إلخ… وكلها عروض تتميز بحضور طاغ للميديا، مع تقليص المكونات الواقعية للخشبة على درجة المينيماليزم. وبعدها، ينتقل إلى تجربة تونس، ممثلة في تجارب توفيق الجبالي، التي تقوم على بوليفونية تلتئم فيها إرادات وإواليات مختلفة، وثقافات فرجوية متنوعة. وتجربة المسرح الجديد مع الفاضل الجعايبي وجليلة بكار، حيث التركيز على الكتابة الركحية التي عبرها يصير النص عنصرا ضمن عناصر أخرى متعددة. ويختم الباحث هذا المبحث بتجربة المغرب ممثلة في عدة محاولات لفوزي بنسعيدي، وزهرة مكاش ويوسف الريحاني.

إن السؤال المهم، الذي يستخلصه الباحث عبر وقوفه عند كل هذه التجارب العربية، إنما يصيغه كالآتي:

  • ما هو موقع النص الدرامي من كل هذا ؟

فالاشتغال بهذا الإشكال يعين الباحث على القبض على ما يسميه ب: « المنعطف الفرجوي»، حيث ليس ثمة من شيئ خارج الفرجة. ومن ثم، فعلى النقد أن يطور أدواته حتى يتمكن من قراءة هذه الأعمال الجديدة، المنفلتة عن التسنين الخطي، والمربكة لمفهوم التمثيل التقليدي.غير أن أهم ما يكسب هذا الكتاب قيمته، هو وقوف صاحبه عند مبحث مهم وهو : (شعريات ما بعد الدراما)، وخصوصا، تركيزه على مستقبل التكنولوجيا في المسرح. فباستثناء بعض ندوات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أو ندوة طنجة 2011 – التي يشرف عليها المركز الدولي لدراسة الفرجة-، فإن معظم اللقاءات المسرحية بالعالم العربي، لا تزال تتجاهل الحديث عن المسرح والوسائط الرقمية. عن أهم ما يحسب للدكتور خالد أمين، هو إصراره على تجاوز هذه الغباوات المنتصرة في حقل الفرجة المغربي أو العربي، التي تحاول – بلا جدوى- غدارة الظهر لما يحيط بنا من كل جانب. هكذا، يخلص الباحث إلى تحديد أهم ملامح مسرح ما بعد الدراما، حيث يعددها كالآتي:

  • عدم التركيز على النص كوسيط موجه للحدث، وإن كان ذلك لا يعني الإلغاء المطلق للنص.
  • اللاتسلسل الهرمي
  • اللعب بكثافة العلامات
  • انفجار البعد الحقيقي
  • الطبيعية الموسعة
  • التناص أو كتابة المحو
  • الجسمانية
  • استعمال الجماليات الوسائطية
  • انتشار الدراماتورجيا البصرية.

وينتهي في الأخير إلى اعتبار مسرح ما بعد الدراما موضع نقاش لم يكتمل بعد، وتحديد منفتح على مزيد من الاجتهادات، مما يؤشر ضمنيا على انخراط الباحث في مزيد من الاشتغال لإنجاز إصدار مستقبلي أكثر شمولية.

ولعل أطيب ما ختم به الباحث كتابه، تخصيص ملحق لرد الاعتبار لأحد رواد الحداثة المسرحية بالمغرب، ويتعلق الأمر بالدراماتورج محمد قاوتي ورهان الاستنبات في مسرحية (سيدنا قدر)، التي أعاد هذا المبدع كتابتها عدة مرات، استنادا إلى (في انتظار غودو) لصموئيل بكيت Samuel Beckett . مما جعل خالد أمين يخلص إلى أن «اشتغال قاوتي على هذا النص قد تجاوز الاقتباس النمطي إلى محاورة النص الأصلي واستنباته في بنية معتقدية مغربية وإسلامية»[5]

آن لنا الآن أن نتساءل:

  • ما الذي قد يحسب لهذا الكتاب، ؟

يحسب لهذا الكتاب جدته وجرأته في تناول المفاهيم، واختيار التجارب، ولو من عمق الهامش. وهي ميزة الباحثين الكبار، الذين لا يقيمون اعتبارا من شدة صرامتهم العلمية إلا لعنصر الجدة. لذلك، فهو كتاب مؤسس بامتياز. ولا شك عندي من انه فاتحة دراسات نقدية مغايرة لفنون الأداء المعاصرة بالعالم العربي، واقتحاما جريئا لمعاقل لم يطأها نقدنا بعد.

الهوامش

 [1] – خالد أمين (المسرح ودراسة الفرجة)، منشورات المركز الدولي لدراسة الفرجة- مطبعة ألطو بريس طنجة 2011. ص: 11

[2] – نفسه، ص:11

[3] – نفسه، ص: 18

[4] – نفسه، ص: 35

[5] – نفسه، ص: 96

شاهد أيضاً

المفكرة الألمانية إيريكا فيشر تتحدث عن فرجات الشارع بوصفها فضاء زمانيا عصيا المحاضرة الافتتاحية الأولي للدورة السادسة عشر من طنجة المشهدية

قدمت المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليتشه المحاضرة الافتتاحية الأولى لفعاليات الندوة الدولية طنجة المشهدية في …

محمد العناز : با حسن هو الروح التي يمكنها أن تأسرك بصمتها الخجول كلمة المركز الدولي لدراسات الفرجة في حق فقيد النقد المسرحي الدكتور حسن المنيعي

ضمن فقرات الجلسة الافتتاحية لمهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية في دورتها السادسة عشر (دورة فرجات …

انطلاق فعاليات الندوة الدولية “فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية

انطلقت مساء أمس فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية بالجامعة الأمريكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *