الجماليات الأدائية لتناسج ثقافات الأداء. حول تحليل فيشر ليشته لأداء أبراموفيش "شفاه توماس" المقدم سنة 1975 وبعده النظري

  • تورستن جوست (الجامعة الحرة، برلين)
  • تعريب: هشام بوغابة (مدرسة الملك فهد للترجمة)

(1) مقدمة

     وعدت في الإعلان عن عرضي هذا أن أتحدث عن أوجه الاستمرار في كتابات إريكا فيشر ليشته النظرية حول الأداء، وخصوصا عن الصلات بين جماليات الأداء ومفهوم تناسج ثقافات الأداء الذي طورته فيشر ليخت لاحقا. وهذا ما أعتزم القيام به اليوم. وأريد أن أفي بوعدي عن طريق لفت انتباهكم إلى المثال الأول من الأداء الذي تناقشه فيشر ليخت في كتابها “قوة الأداء التحويلية”، وهو الأداء الفني ‘‘شفاه توماس’’ الذي أدته مارينا أبراموفيش سنة 1975.

     وأود أن أبرهن، من خلال عرضي، على أن فيشر ليخت تسعى إلى تبيين سبب الحاجة إلى الجماليات الجديدة، وهو العنوان الفرعي لكتابها، من خلال مناقشتها لأداء أبراموفيش “شفاه توماس” في الفصلين الأولين من كتابها. ولكن المرء يدرك بعد قراءة مناقشة إريكا فيشر ليشته، من وجهة نظر معاصرة، أنها تحقق أكثر مما سعت إليه الكاتبة، حيث إن تحليلها لشفاه توماس لم يبين الحاجة إلى نظرية الجماليات الجديدة التي طورتها فحسب، بل تعدى ذلك ليؤدي إلى تطوير برهان نظري مهم غالبا ما يُتجاهل، والذي أصبح لاحقا ذا أهمية مركزية في مفهوم فيشر ليشته “العمليات الجمالية لثقافات الأداء”، أي البرهان الذي يقول بأن التعبير الجسدي يكون ‘’أدائيا’’ في سياق الأداء الجمالي عندما يكون تمثيلا معزولا، أو بالأحرى لأنه ‘‘تمثيل معزول’’ (28). وبعبارة أخرى، فإنه بالنظر إلى تحليل فيشر ليشته لشفاه توماس، أود أن أبين أنها تدافع عن فكرة أن التعبير الجسدي “تمثيل معزول”، وبالتالي فإنه “أدائي” في سياق الجماليات وأن مفهوم “العزل الجماليِ” هذا ضروري من أجل استيعاب أعمال فيشر ليخت اللاحقة حول العمليات الجمالية للتناسج وطبيعتها الأدائية وإمكانياتها.

(2) تحليل فيشر ليشته لشفاه توماس لصاحبته ماريننا أبراموفيش(1975)

     تستهل فيشر ليشته كتابها بوصف مفصل أو بالأحرى بتحليل مطول لأداء أبراموفيش الفني الشهير “شفاه توماس”، والذي قدم في كريتزنجر في معرض انسبروك بالنمسا، في أكتوبر سنة 1975. وتقول فيشر ليشته (2008 :11)  إن ما وقع في هذا الحدث “الغريب الراسخ في الذاكرة” قد غدا معروفا لدى العديد من الناس. وباختصار فقد دخلت الفنانة اليوغوسلافية مارينا أبراموفيش إلى المعرض  وأزالت الغطاء عن لوحة فوتوغرافية وعلقتها على الحائط وأطرتها بنجمة خماسية، ثم أكلت رطلين من العسل، ثم شربت زجاجة من النبيذ، ثم كسرت كأسا زجاجية بيدها اليمنى، ثم رسمت نجمة خماسية على بطنها بشفرة حلاقة، ثم جلدت بعد ذلك نفسها بالسوط بقوة، واستلقت أخيرا دون حراك فوق صليب من كتل ثلجية، وهي تنزف من جراء جروحها العديدة، حتى لم يعد باستطاعة أفراد من الجمهور تحمل محنتها فحملوها من فوق الثلج وذهبوا بها بعيدا، واضعين بذلك حدا للأداء.

     ويأتي تحليل “شفاه توماس” في الفصل الأول من قوة الأداء التحويلية، حيث تقدم فيشر ليشته (2008 :12) ملاحظة مهمة تتجلى في كون أفعال أبراموفيش “قد أدخلت الجمهور في أزمة لا يمكن تخطيها وهي تشير إلى أنماط السلوك التقليدية“.

     وتقول فيشر ليشته، في محاولة منها لتفسير هذه الأزمة، إن العديد من هذه “المجالات الثقافية” (13) معروفة، حيث تشير إليها أبراموفيش، وخاصة إلى مجالات الفن المرئي والأداء المسرحي والحياة اليومية والنشاط السياسي والطقوس الدينية والعروض المسرحية في المهرجانات، عن طريق قيامها بتعليق صورة فوتوغرافية على الحائط والتحرك بمواجهة الجمهور وأكل العسل وشرب النبيذ ورسم نجمة خماسية بالشفرة على جسدها وجلد نفسها. وتقول فيشر ليخت، كذلك، إن ما أربك الجمهور هو أن هذه الإشارات إلى المجالات الثقافية لم تقدم إلى الجمهور أنماط تصور تقليدية يمكنه الاعتماد عليها ولا سلوكا يساعده على استيعاب تصوراته أولا وعلى معرفة كيفية الاستجابة إليها بطريقة جيدة ثانيا.

     وفي الواقع فإن تحليل فيشر ليشته لشفاه توماس يدل ضمنيا على أن ارتباك المشاهدين واضطرابهم بشدة، لدرجة أن البعض منهم تحولوا إلى ممثلين وضعوا حدا للأداء بحملهم لأبراموفيش، التي كانت تنزف بصمت فوق الثلج، وأخذهم إياها بعيدا، كان نتيجة للإشارة إلى العديد من المجالات الثقافية أو بالأحرى نتيجة للتناسج الفني بين هذه المجالات. وبالطبع فقد ساهمت أبعاد عديدة أخرى للأداء، كعدم إمكانية تأويل تصرفات أبراموفيش بطريقة سردية على شكل قصة أو كتخطيها للطابوهات على سبيل المثال، في خلق ‘‘الأزمة’’ التي وصفتها فيشر ليخت. وتعد أهم نقطة في سياقنا هذا هي أن الأداء ‘‘أدخل الجمهور في أزمة’’، لأنه مزج بطريقة جمالية بين حركات جسدية تميز مجالات ثقافية متعددة، دون الوفاء بالتقاليد الراسخة المرتبطة بأي من هذه المجالات. وكان على جمهور”شفاه توماس” أن يشهد، في تجربة مربكة، أن الأنماط التقليدية للتصور والسلوك غير نافعة وغير قابلة للتطبيق. وبالتالي، فقد أجبر على ملاحظة أن مادية تصرفات أبراموفيش سبقت جميع محاولات تأويلها بعيدا عن “مرجعيتها الذاتية”(18) وأن هذا الأداء قد أسس “لواقع جديد وفريد” (16).

     ويحيل تحليل فيشر ليشته لشفاه توماس إلى أن أبراموفيش استعملت في أدائها تقنية نسج الحركات الجسدية المميزة لثقافات متعددة وأن أداءها كان ”أدائيا” من حيث مرجعيته الذاتية وتأسيسه للواقع، وخصوصا بسبب طريقة التناسج الفني هاته. وبذلك فإن تناسج الثقافات مقدم كتقنية أو كوسيلة جمالية فعالة جدا للتغريب في الفصل الأول من قوة الأداء التحويلية لفيشر ليشته. وقد استعمل من طرف مارينا أبراموفيش في شفاه توماس لزعزعة استقرار أنماط التصور والسلوك التقليدية بصفة جذرية من أجل إنشاء ‘‘فضاء حدي’’ للمشاهدين له إمكانية تحويلهم إلى ”ممثلين” على سبيل المثال.

     وأود أن أتحدث، في الجزء التالي من عرضي، عن كيفية تقديم فيشر ليشته لمفهوم “التمثيلات المعزولة” في الفصل الثاني من قوة الأداء التحويلية، شاملة بذلك تقنية أبراموفيش الجمالية المثيرة  للإرباك، والتي تتجلى في الإشارة إلى العديد من المجالات الثقافية، في نظريتها “الأداء الجمالي”.

( (3ممارسة العزل الجمالية كمهد للأداء

     تدرس فيشر ليشته، في الفصل الثاني من قوة الأداء التحويلية، الطريقة التي يكون بها الأداء “أدائيا”. ويبدو هذا حشوا في بادئ الأمر، إلا أنه ليس كذلك، حيث إن نظريات الأفعال الأدائية ونظريات الأداء كحدث جمالي مختلف عن النصوص الأدبية تطورتا بصفة مستقلة عن بعضهما البعض على مدار التاريخ. وبالتالي فهما بحاجة إلى الوصل بينهما، وهذا ما حاولت فيشر ليخت فعله في الفصل الثاني من كتابها.

     وتحلل فيشر ليشته أولا مفهوم الأداء لجون ل. أوستن، إذ ترى أنه ينبغي تعديل تعريفه للأداء على أنه نوع من الأفعال الكلامية الذاتي المرجعية والمؤسس لواقع جديد، والذي يجب إما أن ينجح أو يفشل، لكي يشمل كذلك الأفعال الجسدية في الأداءات الجمالية كشفاه توماس، وخصوصا فيما يتعلق “بنظرية النجاح أو الفشل” (28).

     وتتناول فيشر ليشته، بعد ذلك، استعمال جوديث بتلر في التسعينات لمصطلح الأداء في سياق الفلسفة الاجتماعية، وذلك من أجل تعديل وتوسيع مفهوم الأداء لأوستن، حيث ترى أنه علاقة بنظرية الهوية الجندرية لبتلر فإن تعريفها للأفعال الأدائية على أنها أفعال جسدية ذاتية درامية وغير مرجعية يتناسب إلى حد كبير مع تعريف أوستن للأفعال الأدائية على أنها أفعال كلامية ذاتية المرجعية ومؤسسة للواقع. ولكن فيشر ليخت تجد فرقا جوهريا بين تعريفي بتلر وأوستن، إذ إن تعريف أوستن يركز على معيار النجاح أو الفشل، بينما يركز تعريف بتلر على أن “تكرار الأفعال الأدائية النمطي يجسد إمكانيات ثقافية وتاريخية”(27).

     وترى فيشر ليشته، بالنظر إلى هذا الفرق الجوهري بين تعريفي أوستن وبتلر للأداء، أن مراجعة أداء أبراموفيش تبين أن تعريف بتلر يتطلب المزيد من التعديل. ويعد هذا التعديل ضروريا حسب فيشر ليشته لأن: “أفعال أبراموفيش […] لم تُعد استحضار نمط تاريخي عبر التكرار البحت، لكنها عدلته بشكل كبير: […] فنحن لسنا بصدد التعامل مع تكرار الأفعال الأدائية الذي يعد مهما في برهان بتلر[…]، ولكننا نتعامل ههنا مع تمثيلات جمالية وبالتالي مع تمثيلات معزولة، حيث إن بتلر تشير فقط إلى ممارسات الحياة اليومية وبالكاد تشير إلى عمليات جمالية محضة”(28).  

     وأساسا، ترى فيشر ليشته أن أداء أبراموفيش لشفاه توماس كان أدائيا بدرجة عالية لأن الأفعال الجسدية التي قامت بها غُيرت كليا خلال عملية نقلها ونسجها على شكل شبكة محيرة من أدائها الفني، والتي جمعت بين أفعال جسدية تشير إلى مجالات ثقافية مختلفة، مما جعلها أكثر إثارة للحيرة. وتسمي فيشر ليخت توابع العمليات الجمالية للتعديل من خلال النقل وإعادة التركيب “تمثيلات معزولة”. وتصرح، علاوة على ذلك، بأن هذه العمليات تعد ملامح محددة للأفعال الأدائية في سياق الجماليات، وبالتالي فإنها أساسية لنظرية الأداء الجمالية الخاصة بها. وحسب هذه النظرية، فإن أداء شفاء توماس كان جماليا وأدائيا بدرجة كبيرة، وذلك لأن أفعال أبراموفيش الجسدية عُدلت بشكل كبير عن طريق تحويلها إلى كوريغرافيا أداء مثيرة للدهشة. وتقول فيشر ليشته بأن تصور أفراد من الجمهور لأفعال أبراموفيش على أنها تمثيلات معزولة ذاتية المرجعية بشكل استثنائي ومؤسسة لواقع جديد وفريد راجع أساسا إلى تقنية التعديل الجمالي عن طريق النقل وإعادة التركيب.

(3)  التناسج كوسيلة للتعديل والعزل الجمالي

     وأود أن أقول، في ختام عرضي القصير، إنه يمكن وصف ممارسة التناسج بين ثقافات الأداء، والتي تتسبب في نتائج جمالية يمكن إيجادها اليوم في العديد من العروض المسرحية في مختلف أنحاء  المعمورة، والتي تعد مادة بحث أساسية لمركز البحث الدولي “تناسج ثقافات الأداء” ببرلين ، ووضع نظريات لتفسيرها كتقنية خاصة للتعديل عن طريق النقل وإعادة التركيب، كما قد وصفتها فيشر ليشته في الفصل الثاني من كتابها قوة الأداء التحويلية.

     وتدافع فيشر ليشته في مقدمة مقتطفات “سياسات تناسج ثقافات الأداء” (2014)، والذي ترجمه إلى العربية الدكتور خالد أمين، عن فكرة أن مفهوم تناسج ثقافات الأداء أكثر نفعا من مفهوم مسرح المثاقفة، عندما يتعلق الأمر بدراسة أداء الباكوسيات لسوزوكي تاداشي(2009) مثلا. وتقول فيشر ليشته إن “أداء سوزوكي اعتمد بشدة على ثقافة الأداء اليابانية وغيرها من ثقافات الأداء بطريقة لم يعد من الممكن معها تحديد أصل هذه الثقافات”(10). وعموما فإن فيشر ليشته ترى أن مجاز التناسج مناسب بشكل كبير، حيث إن الخيوط تتشابك مع بعضها البعض وتنسج على هيئة قطعة قماش تتكون من العديد من الخيوط، تماما كنسخة البكوسيات الأخيرة لسوزوكي، حتى لا يمكن للمرء بالضرورة ملاحظة كل خيط منها على حدة. “فالخيوط تصبغ وتشبك وتنسج لتشكل أنماطا لا تمكن الرائي من معرفة أصل هذه الخيوط”(11). ويمكنك الآن بالتأكيد أن تعلم، انطلاقا من هذا الاقتباس، أن مجاز “التناسج” لفيشر ليشته يركز بقوة على العمليات النقل وإعادة التركيب الجمالية مبديا إياها كعمليات تكاد تكون أساسية لتناسج ثقافات الأداء.

     وأود أن أقول بأن فيشر ليشته ترى ما تراه لأن تقنيات النقل وإعادة التركيب الجمالية مهمة جدا من أجل تفسير السبب وراء كون أداءات التناسج “أدائية” بشكل كبير. وبالتالي فلهذه التقنيات، تماما كما لشفاه توماس لأبراموفيش(1975)، القوة التحويلية “لنقل المشاركين إلى حالة من التشويش تؤسس تجربتهم وتمكنهم من استبقاء المستقبل، حيث الرحلة نفسها واستمرارية الانتقال والحالة الحدية” (11-2). وتعد ممارسات التناسج بين ثقافات الأداء ”أدائية’’ لأنها ممارسات تعديل جمالي عبر النقل وإعادة التركيب ولأنها أساسا تغريب جمالي يتعدى حدود الثقافة الواحدة. وبالتالي فإنها تولد أداء ذاتي المرجعية بشكل كبير يؤسس لواقع جديد وفريد. ولذلك فإنني أرجح بأن مفهوم تناسج ثقافات الأداء لفيشر ليشته مفهوم يصف الممارسات المعاصرة للتغريب الجمالي، والتي تحدث تجارب “السحر” الجمالية التي تجعل العادي يبدو متغيرا ومثيرا.

شاهد أيضاً

مهرجان طنجة المشهدية يكرم سليمة مومني وعبد العزيز الخليلي في افتتاح دورته 18

منذ أولى دوراته، ومهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، يحتفي برموز الفرجة وفنون الأداء، إن من …

“الجسد الفرجوي”: محور نقاش الدورة 18 لمهرجان طنجة للفنون المشهدية طنجة، 26-30 نونبر 2022

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة الثامنة عشرة من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

التقرير الأدبي 2017-2021

  كلمة لا بد منها 1. مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية (من 2017 إلى 2021) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *