الأرشيفات الحية والسياسة: المسرح الروسي الحديث أنموذجا Maria Shevtsova ماريا شيفتسوفا

ماريا شيفتسوفا (جولدسميث، جامعة لندن)

ترجمة : عبد العظيم هندا Abdeladim Hinda & جمال اقبلي Jamal Akabli

عمليا، يمكن لأي شيئ أن يدخل سجل المحفوظات أي الأرشيف، بعد حدوث أشياء كالحروب أو الثورات أو مجرد حوادث يكتب لها الوقوع. ويسمى بالأرشيف لأنه يكتسب الأهمية أو يتم اعطاؤه هذه الأهمية أوالدلالة من قبل أفراد أو مجموعات اجتماعية أو مجتمعات كاملة بعد الحدث. الأرشيف هو ما يسميه إميل دوركهايم بالطوطم، وطالما أن الطوطم يمثل سابقة، فهو يشير إلى أو يتكلم عن هذا الأصل، إلا أنه لا يحل محله. وقد ضرب دوركايم في كتابه الأشكال البدائية للحياة الدينية الصادر عام 1912 مثال الحيوانات التي تجسد شعوبا معينة من بين الشعوب الأصلية العديدة في أستراليا، وعرفهم بشكل خاطئ كـ:”قبائل”، مستوحيا بذلك تصوره لهؤلاء من التصور الأنتروبولوجي السائد آنذاك. إذا كان دوركايم قد حدد كلا من هاته الشعوب المختلفة على حدة، كما حدد أيضا مجموعاتها معا، فإن جوهر أطروحته يكمن في كون أن فكرة الطوطم عنده تميز بين هذه الشعوب.

تتجاوز أطروحات دوركايم المتعلقة بأدوار الطوطم التصنيف البسيط؛ لأنها تتعامل مع التصور الكوني الذي تمثل فيه الطواطم، إضافة الى تموضع الانسان في الكون الذي ألهم فكرته عن “الحياة الدينية”، تلك الجوانب التجسيدية الملموسة من هذه الأطروحات. وإذا تم نقل هذا المقترح إلى الشعرية فإنه يجد رابطا معها. في لغة الشعرية يكون شكل التمثيل الغريب في الطوطم علاقة كنائية مع الأشخاص أو الأشياء التي يستحضرونها في أذهانهم. وهكذا، على سبيل المثال، يرمز التاج في كتابات شيكسبير الى المَلِك. تجدر الاشارة هنا إلى أن مصطلح “التمثيل” مألوف لدى دارسي المسرح، وهو لا يشير إلى مسائل التقليد أو المحاكاة أو النسخ كما وصلنا عن طريق الترجمات التي تناولت أرسطو عبر العصور. يشير “التمثيل” هنا إلى التكوينات المرئية. أما التكوينات الصوتية – التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من المسرح والتي نادرا ما يتم استعمالها فيه، والتي تضع جل اهتمامها في الرقص أو التمثيل الايمائي، أو الصمت الذي نعرفه في المسرح اللفظي- فإنها لا تدخل حاليا في هذا النقاش.

دعونا الآن في حدود العلاقة الدلالية الكنائية، مع طريقة التجسيد هذه، وطريقة الوقوف جنبا الى شيئ ما دون  الحلول مكانه، لأنه أمر حيوي لعمليات الذاكرة. إنه أمر حيوي، ليس فقط لأن الكناية وسيلة للتذكر أو إحياء الذكريات، ولكن أيضا لأنها طريقة لإصلاح الذاكرة، أيْ لحفظ ما أصبح مسألة قديمة حتى لا ينسى هذا الماضي، كما هو الحال مثلا مع فن الشعر الرثائي الذي يصير تاريخا. وعلى نفس المنوال، قد تبدو الظواهر المرتبطة كنائيا برتابة الحياة اليومية مبتذلةً في الوقت الحاضر، إلا أنها قد تكون كذلك تلك الأشياء التي تحوي الكينونات الكبرى كالتاريخ.

قد جمع السوسيولوجي عبد المالك صياد Abdelmalek Sayad في كتبه مثل هذا النوع من المواد اليومية واقترح تجاوزها للمبتذل بطريقة بلاغية جدا. ويذكر في كتابه الغياب المزدوج الصادر عام 1999 – الذي يعد دراسة للهجرة الجزائرية الى فرنسا، وهو موضوع فصله في كتاب آخر عنونه معاناة المهاجرين صدر له عام 2004- مقابلة شفهية أجراها مع أحد العمال، الذي تنبه إلى أن حياته كلها تتحدد من خلال أوراقه، أي من خلال قسائم الأجرة salary slips، وسجل العمل work register، ومراسلات الضمان الاجتماعي social security crrespoendence، وأوراق أخرى، التي تقول كلها: “تذكر كل شيئ.”[1] يبدو أن تذكر الأوراق بدل تذكر الناس فكرة مدهشة للغاية، خاصة اذا ما اقترنت بسياقها. إن قائمة الجرد الورقية a paper inventory التي تحدد هوية الشخص، وتحدده كذلك للأغراض الحكومية الإدارية، كما هو الحال بالنسبة لعامل صياد الجزائري، تحتفظ بحياة ذلك الشخص في الوقت الحاضر. ومع ذلك، عندما يتم تخزينها من أجل المعلومات، يتم وضعها بالفعل في الأرشيف. وتتم أرشفتها مرة أخرى عندما يتم إيداع هذه القائمة في مؤسسة أكبر، مثل الأرشيف الوطني أو أرشيف الهجرة، حيث يتم تخزينها كتاريخ للباحثين من مختلف التخصصات. لا بد أن يكونوا مؤرخين أو علماء اجتماع، مثل صياد نفسه، ولكن يمكن للباحثين أيضا أن يكونوا ممارسين مسرحيين (كمسرحيين، أو فنانين، أو متعاونين في المسرح المجتمعي، أوما إلى غير ذلك) مهتمين بالوصول إلى المصادر التي على أساسها يؤلفون أو يستوحون قطع المسرح الخاصة بهم.

تتم كتابة هذه المصادر، ويتم نقل المصدر الشفوي، كما هو الحال مع مقابلة صياد، إلى درجة ثانية بعد أن يتم وضعه في شكل مكتوب. في هذه الحالة يتم جمع هاته المصادر في كتاب، ولكن تتم إعادة صياغتها بطريقة ما، وتبقى مصنفة ضمن الدرجة الثانية، عندما تصبح المقابلة السابقة موثقة في أرشيف رسمي؛ وهو ليس أقل من جودته الوثائقيّة الجذّابة لعارضي المسرح المعنيين بقصص وصور “أصيلة” لأسباب لا يجب أن تكون جمالية بشكل حصري، بل قد تكون أخلاقية أو سياسية بروح الصحافة الاستقصائية. ليس من الصعب أن نتخيل أن الحسابا، أو على الأقل الاختلافات في الأداء، مستوحاة من الأحداث الأخيرة كالميدان Maidan أو تجربة الربيع العربي الذي لم يسبق له مثيل، تكون منشغلة بالأصالة، خاصة اذا ما اقترنت برغبة نقل أو ايصال ما يمكن أن يكون صحيحا. تكون المحفوظات الرسمية بطبعها مستودعات للذاكرة، واذا ما رجعنا الى مقابلة صياد فإنه يمكننا القول أن هذه هي الطريقة التي من خلالها “يتذكر الناس أوراقهم”. يتم تجميع الارشيفات على افتراض أن “الصحيح”، أو على الأقل الأقرب الى “الصحيح”، إن لم نقل إلى “الصحة”، يمكن تجميع أجزاءه، وذلك بمساعدة هاته الأرشيفات، إن لم نقل أن قيامها بالكلية يعتمد عليها.

ومع ذلك، فإن الذاكرة ليست مصدرًا خاصا بالأفراد، بغض النظر عن عدد المحفوظات الفردية المخزنة للتشاور. من المفيد أن نتذكر منهج موريس هالبواكس Maurice Halbwachs الذي يمتاز بطريقته المنهجية، والذي ظل يجادل في هدوء على أن الذاكرة الفردية جزئية ليس فقط لأنها انتقائية، ولكن لأنها في حد ذاتها غير مكتملة على الإطلاق. لا تنتمي الذاكرة إلى فرد معين، ولكنها تحتضن الكثيرين ، ويشترك في نسجها الكثيرون، ذلك لأنها تتسع لتلك الأشياء التي تجعل الناس يتعلقون ببعضهم البعض – كما هو الحال مع “أنا” و”أنت”. واذن، فالذاكرة ذات طبيعة جماعية  بالضرورة. في مخطوطاته التي ظهرت مابين 1925 و 1944، والتي نُشرت لأول مرة عام 1950 تحت عنوان الذاكرة الجماعية، يؤيد هالبواكس المبدأ الاجتماعي للذاكرة، إذ يؤكد أن الذاكرة لا يمكن أن تكون جماعية دون أن تكون متجذرة في المجتمع.

علاوة على ذلك، يؤكد هالبواكس على أن ما يُنظر إليه على أنه ذاكرة فردية، وإن كانت كالذاكرة الاجتماعية الفردية، هو في الحقيقة ذاكرة جماعية. يمكن القول إن الذاكرة الفردية تتم تصفيتها من خلال المجموعة التي ينتمي اليها الشخص صاحب فعل التذكر والتي قد يكون له بها صلة عميقة. يمكننا أن نقول أيضا إن ما يتذكره هو انعكاس من منظور الذكريات المتعددة التي يتقاسم أفرادها فكرة الوعي الجماعي والشعور المشترك. في الواقع، يعتقد هالبواكس أن ذاكرة الفرد المتعلقة بماضيه تعتمد على هذا الوعي الجماعي.[2]  وإذا ما نظرنا من داخل هاته المعايير، أو من داخل الميدان Maidan في أكرانيا، أو الربيع العربي في تونس أو مصر- أو الحرب الأهلية في سورية، أو الاحتلال في فلسطين – وهي أحداث نتذكرها بفضل هذه المسرحية أو ذاك الـعرض، وعلى الأرجح تُظْهِرُ وعيا جماعيا معينا. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يكون للعمل معنى تشترك المجموعة بأكملها في فهم موضوعه، أو تقديم أو إجراء تغييرات شخصية عليه. هذا التآزر بين الفردي والجماعي أكبر وأوسع من الإيديولوجية المستقيمة، حتى وإن كانت الأيديولوجية تلعب دوراً في دينامياته.

تشمل المقابلات الشفهية وكذا باقي أنواع الشهادات الاخرى المختلفة الطريقةَ  السوسيولوجية، والتي تم الترويج لها من قبل باحثين في التاريخ الشفهي، الذي بدأ في التشكل في أواخر الستينات وأوائل السبعينات. قد ملأ التاريخ الشفهي تلك الفجوات التي ظهرت جراء غياب المصادر المكتوبة (بما في ذلك الثقافات “التقليدية” القائمة على النقل الشفهي)، وملأ هذا المشهدَ بدراسات الحياة اليومية، التي احتقرتها التاريخانية historiography وهمشتها بالكامل.[3] في ابريطانيا شهدت نفس الفترة تطور المسرح الجماعي، الذي ركز جل اهتمامه على قضايا المجتمع الأصغر بدل المجتمع الأكبر، وقد حصلت مساعيه على دعم من السياسة الشعبية وتأكديدها على تمكين الناس الذين كانوا يتميزون عن قادتهم وحكوماتهم ودولتهم. وكما هو معروف، فإن السياسة الشعبية التي امتازت بها هذه العقود في جميع أنحاء العالم كان لها اتجاه شعبي، يساري، بمختلف معاني هذا المصطلح، وكانت أيضا تتميز بالنشاط وتعزيز قضايا الأقليات التي تعلقت عموما بالعرق والجنس والنوع بشكل متزايد في العقود اللاحقة، في اطار حقوق الانسان والدين.

كان المسرح المجتمعي وتجلياته العديدة، بما في ذلك المسرح الحَرْفِيُّ verbatim theatre، فرعا من المسرح الوثائقي الذي ترسخ في البلاد الناطقة باللغة الانجليزية في أواخر الثمانينات، وكان يُنْظَرُ اليه على أنه بمثابة قناة channel لرفع الوعي والتدخل الاجتماعي، أي أنه كان وسيلة لرفع المظالم. استلزم “اعطاء صوت” للمجموعات التابعة Subalturn حقهم في اسماع اصواتهم، وهو أحد مظاهر التمكين، وان كان في بعض الأحيان أحد مظاهر الاستبعاد المباشرمن حق التحرر، وهو ما يوحي بضرورة وجود نوع من العبودية العَرَضِيَّةِ في البلدان التي تزعم أنها  قد وصلت بالتقدم الى مداه. أخذ المسرح الحرفي على عاتقه عبء التحدي، وأعطى الناس الذين لم تكن لهم القدرة على ابداء الرأي فرصة لاسماع اصواتهم حرفيا، وذلك من خلال اجراء مقابلات شفهية معهم بشأن مسائل تثير اهتماماتهم الحالية. وهنا كُتِبتْ المسرحيات انطلاقا من الكلمات الدقيقة للابطال الذين أجروا هاته المقابلات؛ وبما أنها كانت مسرحيات وليست نصوصا مباشرة، فقد تم ترتيب كلمات الأشخاص في الواقع وفقا لنوايا الكاتب أو الكتاب المسرحيين الصوريين nominal playwright. إن الدرجة التي يحترم بها هؤلاء نغمة وفحوى -وأيضا سياقات- الكلمات التي كانوا يقومون بها الان لاعادة ترتيبها وأرشفتها، تعتمد على التزام هؤلاء المسرحيين بدافع “الحقيقة” لهذا النوع من المسرح. وبما أن المسرح الحرفي في ابريطانيا -على سبيل المثال- قد ابتعد عن أصوله المجتمعية ودخل بوابات المسرح العام بشكل متزايد في التسعينات وبشكل ملحوظ في القرن الحادي والعشرين، فإنه قد عزز روابطه مع مسرح رويال كورت في لندن.

تدخل الآن روسيا المشهد. كما أن رويال كورت، التي اشتهرت باحتضان كتاب مسرحيين جدد، وخصوصا لشكل الكتابة المسرحية الوثائقية والطبيعية الجديدة، قد بنت سمعتها ليس على المشاركة السياسية فحسب، بل وعلى الاستنكار المعنوي أيضا، وإن كانت قد عبرت عنه بأسلوب في غاية التجرد والموضوعية. في عام 1999، نظمت رويال كورت لقاءات وورشات دراسية حول التقنيات الحرفية في موسكو بدعوة من الكاتبة المسرحية إيلينا جريمينا Elena Gremina وزوجها ميخائيل أوغاروف Mikhail Ugarov بدعم من المجلس الثقافي البريطاني. كان رد جريمينا الفوري هو إقامة مهرجان المسرح الوثائقي عام 2000  لدعم ما يعرف الآن باسم “الدراما الجديدة.” وفي عام  2002 أنشأت هي وأوغاروف مسرحا خاصا ومستقلا أسمياه بالمسرح الوثاقي Teatr.doc وكان ذلك في قبو صغير شبيه بعلبة سوداء، وقد حدث هذا بمساعدة اثنين من الكتاب المسرحيين الشباب المرموقين وهما ماكسيم كوروشكين Mksim Kurochkin وإيفان فيرايبايف Ivan Vyrypaev، اللذين أصبحا منذ ذلك الحين شخصيتان رئيسيتان في المشهد الدرامي الجديد. قد أعطى المسرح الحرفي وكذا مبدأ المسرح الوثائقي بشكل عام جيلا شابا من ممارسي المسرح اللبراليين الروس الذين يتمتعون بوسيلة لتسجيل الحياة المعاصرة الآخذة في طور التشكل، وذلك من أجل نقل التاريخ الشفهي في لحمة الأداء المسرحي. لقد نشأ هؤلاء الممارسون خلال اضطرابات البيريسترويكا  (1988-1986)  ثم حل الاتحاد السوفييتي في ديسمبر عام1991، وهذا النموذج الوثائقي / الحرفي هو الذي سمح لهم بمواجهة الكلاسيكيات بكليها – الروسية والعالمية – كما سمح لهم بمواجة مشاكل المسرحيات السوفيتية بنهجٍ يليق بالعواقب المتقلبة وغير المؤكدة للانهيار التام للنظام.

كانت النزاعات الوحشية على السلطة السياسية والاقتصادية المتغيرة باستمرار تخلق نخبا جديدة من الناس الصغار العاديين المعطلين  والمحرومين من الحقوق المدنية الذين ينفرون من هاته النزاعات. وكان من بينهم كثيرون من الشباب الساخطين الذين لجأوا إلى اسلوب سوء التعامل مع الناس والعنف في حقهم -كالسرقة والضرب والمخدرات والاغتصاب والقتل- وكانت هذه طريقتهم في التعامل مع تلك الأمور التي لم  يكونوا قادرين على استيعابها ماديا ومعنويا ونفسيا وعاطفيا. إن النهج الحرفي يمكن أن يعطيهم صوتاً، ونقصد هنا أولئك الذين كانوا شهوداً على تغييرات اجتماعية سياسية ضخمة، والذين كانوا في معظم الحالات ضحايا لهاته التغييرات. كان ينظر إلى “الدراما الجديدة” من قبل ممارسي المسرح الجدد والناشئين على حد سواء، والذين يوحد بينهم الوعي الجماعي والقيم والوجهات المشتركة، كقناة conduit -ليس كدراما بديلة ولكن كقناة- من أجل ممارسة حرية التعبير الديمقراطية والمشاركة الديمقراطية، بدل الحكم الاستبدادي القائم على مبدأ “الأعلى والأسفل”.

طوال هاته السنوات الخمسة عشر التي مضت قد استضاف المسرح الوثائقي Teatr.doc حوالي سبعين عرضا مسرحيا وآلافا من القراءات المسرحية، كما أطلق أشغال كُتاب وممثلين ومخرجين بارزين، نذكر من بينهم بافل بريازكو Pavel Pryazhko الذي يكتب بالروسية ويعيش في مينسك Minsk في بيلوروس Belorus، ومديره Dmity Volkastrelov الذي أنشأ تياتر بوست Teatr Post في بطرسبرج عام 2011 على غرار Teatr.doc؛ وعلى الرغم من أن Teatr.doc قد تبوأ مرتبة الصدارة في موسكو وأحاط نفسه بمسرحي ومركز المدينة الذي تشكل عام 1998، وأيضا بمسرح الممارسة  Thear Praktika الذي تشكل عام 2005، فإنه قد اكتسب نفوذه من داخل شبكة واسعة النطاق في روسيا.

إن اللاعبين الرئيسيين في هذه الشبكة هم أولا وقبل كل شيء الممثل والمخرج والكاتب المسرحي نيكولا كوليادا Nikolay Kolyada الذي أسس مدرسة الدراما الايكاترينبرجية Yekaterinburg Drama School عام 1996 في مدينة الأورال Urals، وهي أول مدرسة في الكتابة المسرحية. وقد شجع النساء بشكل ملفت للنظر من بين أولئك الكتاب المسرحيين الذين أشرف على توجيههم، ومن بين هؤلاء نجد الكاتبة المسرحية الشهيرة ياروسلافا بولنوفيتش Yaroslava Pulinovich، التي ألفت مسرحية حلم ناتاشا Natasha’s Dream عام 2008 عندما كانت في الحادية والعشرين من عمرها؛ والمسرحية عبارة عن مونولوج فتاة في السادسة عشرة من عمرها، عانت من الانتهاكات التي عاشتها منذ طفولتها المبكرة (كونها قد ترعرعت في مدرسة لاصلاح الايتام)، وقد تم عرض المسرحية على الفور في ابريطانيا والولايات المتحدة. تتميز مسرحيات كوليديا حتى وإن كانت تفتقر للاسلوب الحرفي باحتواءها على كم هائل من مفردات الشارع، وبتلك الخاصية العامية العنيفة التي تطبع المسرح الوثائقي الروسي. وتتميز عروض هذا المسرح، سواء كانت من مسرحياته الخاصة أو من مسرحيات شكسبير وتينيسي ويليامز ونصوص نموذجية أخرى بِلَوْثَةِ قمامة الشوارع- أي ذلك الكم الهائل من الاوراق والحقائب البلاستيكية والزجاجات وعلب الصفيح والخرق، والتي جميعها تساهم الآن في أرشفة صور من الكلمات التي تهاجم الوعي وتحتفظ بنفسها فيه.  إن النصوص النوذجية التي التي تخضع لهذه العملية كالملك لير (King Lear 2008) وهاملت (Hamlet 2010) يتم إعادة انتاجها بالكامل في صورة هنا والآن لتبدو كأنها أرشيفات حية تأتي الى الوجود من فورها. تأمل كوليادا أن الوعي بالاختلال الاجتماعي سوف يثير الرغبة في علاجها.

وأيضا هناك مجموعة من المسرحيين من مدينة Togliatti حيث يتم تصنيع السيارات، أي تلك المجموعة التي تتجسد في الأخوين Durnenkov اللذين كانا يكتبان معا طوال فترة الألفية الثانية (the2000s)، بخلاف اليوم الذي يكتب فيه كل واحد منهما بشكل منفصل عن الأخر. تجدر الإشارة مرة أخرى إلى أنهما كانا يشدان الانتباه إلى نقاط الضعف التي كانت تميز حياة الناس في مجتمع باتت أركانه تتهاوى؛ وهنا ينظر ميخائيل Mikhail، ذلك الأخ الأصغر الذي استقر به المطاف في موسكو، إلى ضائقة الإنسان من زاوية وهمية بدل الزاوية الواقعية. وموزاة مع هذا هناك مراكز وشركات إقليمية نشطة أخرى، يركز البعض منها كمسرح فورونيج تشايبر Voronezh Chamber Theater الذي تمتاز عروضه بالنمط الحرفي، والذي يركز على قضايا مدينة Togliatti، ويقيس فضاءهم المحلي كنائيا mrtonymically كنموذج يمثل الفضاء الجيوسياسي الواسع الذي يحيط به. حرصا منها على التنوع الملموس في الدراما الجديدة في جميع أنحاء البلاد، وحرصا على نوع الإتجاه الجديد الذي يأتي معها – الذي هو عبارة عن وسيلة لتلطيف العنف والفزع، ولجعل الرعب أقل جاهزية للانفجار في الصفحة- فإن غاية هاته الفرقة المسرحية تتجسد فيما يمكن تسميته بالعواقب الاجتماعية للسياسات الكارثية حيث يجهد الناس في القيام بأعمالهم بأفضل طريقة ممكنة، أو يفشلون فشلا كليا في القيام بأعمالهم تلك.

نادرا ما تُطِلُّ السياسة الكبيرة برأسها في المسرح الحرفي، وخاصة ذلك النوع من السياسة الذي يسعى إلى الهيمنة. وهنا نذكر مسرحية غريمينا Gremina ساعة وثمانية عشر دقيقة الصادرة عام 2009، والتي قام بإخراجها أوغاروف Ugarov، على أنها استثناء من هاته القاعدة. تدور المسرحية حول محاكمة صورية لا نصيب لها من الواقع المتعلق بالسجن والطاقم الطبي الذي كان له حضور في الأيام التي سبقت حادثة وفاة Sergey Magnitsky في السجن عام 2009. يكشف المحاسب ومراجع الحسابات عن تزوير ضريبي لمئات الملايين من الروبلات rubles التي قام به مسؤولون حكوميون، وهو ما جعل هؤلاء المسؤولين الحكوميين يعتقولونه بأنفسهم. وبعد منيته التي حدثت جراء الاهمال الطبي من جانب الطبيب المناوب، وأيضا جراء الضرب الذي قاساه من قبل حراس السجن لمدة ساعة وثمانية عشر دقيقة (التي جعلت منها غريمينا عنوانا لمسرحيتها)، يُتَّهم Magnitsky باختلاس ايصالات الضرائب بنفسه‼

لم توفق جريمينا في الوصول إلى أي شخص لإجراء مقابلات معه باستثناء عدد قليل من الموظفين ذوي الرتب الأدنى، لكنها كانت جريئة بما يكفي لدراسة موضوع اتسم بتورط أعلى متسويات السلطة، بما في ذلك تلك الشائعة بشأن تورط الرئيس بوتين بنفسه في المسألة، وهو ما ولَّدَ إدانة صاخبة من منظمات حقوق الانسان الدولية. وبذلك يمكن القول أن مسرحية غريمينا إضافة إلى إخراج أوغاروف قد ساهما حاضرا ومستقبلا في أرشفة معلومات كان من الممكن أن تقمع أو تُطمَس وتصبح نَسْياً مَنْسِيًّا. القمع نوع من الطمس، وهو كذلك حالة من النسيان وفقدان الذاكرة. وإلى جانب الحسابات الشفوية، فقد استخدمت غريمينا أيضا يوميات Magnitsky التي وثق فيها حياته في السجن.

قد تكون مسرحية الجندي (The Soldier 2011) للمسرحي فولكاستريلوف Pryazhko مغامرة مماثلة في تضاريس السياسة الكبيرة.  كان اتجاهه في المسرح الوثائقي عام 2013 عبارة عن جولة قوية لعلامة القطع التي يمكن قرائتها في الشيشان وجورجيا، أي في حروب روسيا الأخيرة. يدخل جندي مجهول، ثم يخلع ملابسه ويستحم في صمت. قد تم تصوير الفيلم بأكمله في الوقت الفعلي، وتم عرضه على الشاشة باللونيين الأبيض والأسود. ينتهي الأداء الذي دام حوالي اثنتا عشرة دقيقة بسطرين يقولهما فولكاستريلوف في صيغة الغائب بعيدا عن أنظار المشاهدين؛ وهكذا في غياب “الأنا” والحفاظ على إخفاء الهوية، “يعود الجندي إلى بيته في إجازة. وبينما كان من المفترض أن يلتحق بالجيش مرة أخرى، نراه يتخلى عنه في النهاية.” وكان ذلك احتجاجا في أعلى درجاته على حُجِّيّةِ الأمر الواقع، احتجاجا لا يمكن تغافله أو انكاره.

اكتسب المسرح الوثائقي في هذه الفترة مكانة القدوة التمثيلية بين نظرائه من مسارح الدراما الجديدة، كما اكتسب المكانة الطوطمية من منظور دوركايم، كما يُنظر إليها من قبل مجموعة الدراما الجديدة ومهنة المسرح الشاملة. وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن المسرح الوثائقي قد طور جمهورا  يتسم بذهنية متشابهة، دخل إلى حد ما وعيَ العالم بطريقة تكافلية symbiotically وذلك من خلال مادة الشهادة. وإذا ما تأملنا في هذا، فإنا نجد أن ادعاء أوغاروف في تشرين الأول/ اكتوبر عام 2014 بشأن الأساس الذي يقوم عليه المسرح الوثائقي كونه “تذكاريا” لم يكن مبالغا فيه.[4] إذا كان بوسع الأوراق أن “تتذكر”، كما لاحظ العامل الذي قابله صياد في الجزائر، فإن الجدران ظاهريا قد تتسم بهذه الخاصية كذلك. كانت المناسبة التي ألقى فيها أوغاروف كلماته ترتبط باستغراب المسرح الوثائقي من اكتشافه أن مالك العقار قد أنهى بمفرده عقد ايجاره للطابق السفلي؛ وهنا يرى خصوم نظام الرئيس بوتين المتحمسين محاولات الرقابة والإسكات وراء هذا الإغلاق القسري.

إن المسرح الوثائقي مسرح يحركه مشروعه الخاص، وبالتالي فهو ليس شركة جماعية دائمة؛ ولحسن الحظ أن هذه الأخيرة مازالت ممارسة شائعة في روسيا. ولكن، على غرار جميع المسارح الروسية، فإن لها مخزونا تبقي فيه أعمالها لسنوات عديدة. وهذا يدل على أنه بمجرد ما أن يعثر كل من غريمينا وأوغاروف على افتراضات جديدة، فسوف يعملان بكل تأكيد على عرض مسرحية ساعة وثمانية عشرة دقيقة مرة أخرى؛ وبما أن أداء المسرحية بادئ الأمر كان من أجل إحياء ذكرى Magnitsky، فإن كل أداء لاحق يكون بالضرورة عبارة عن أرشيف حي، يساعده في ذلك تواصله المباشر مع جمهور حي ومتجاوب.

وكإضافة أقول: في الوقت الذي ألَّفْتُ فيه هاته الورقة كان المسرح الوثائقي قد أرسى مقراته الجديدة (فبراير 2015) الزاخرة بالنور والبهجة، وافتتح أعماله بمسرحية Vyatlag التي قام بعرضها أرتور سترادينخ Artur Stradinsh أول مرة عام 2013. كان سترادينخ مزارعا لاتفيا Latvian، نُفي إلى أحد معسكرات الاعتقال في سيبيريا بسبب انتمائه إلى منظمة اعتبرت السلطات السوفيتية أنشطتها معادية للثورة. تتألف مسرحية Vyatlag من شظايا يوميات سترادينخ التي ألفها على أوراق السجائر، والتي لم يصادرها حراس المعسكر، نظرا لأنه تظاهر بالتدخين وإن كان في واقع الأمر لا يفعل ذلك، وهو ما أعطاه فرصة إخفاء أوراقه تحت التبغ في علب التبغ. تعتبر هذه المسرحية أساسا بمثابة مونولوج، على الرغم من الأغنيات العرضية من منطقة سيبيريا، التي تغنيها امرأة تقف إلى جانب شريكها، الذي يقرأ قطعا ورقية تلو أخرى، دون أي نوع من تفخيمات الصوت؛ هذا المونولوج يعبر عن الوُقُوعَاتِ اليومية التافهة التي ترسم الروتين الممل لحياة معسكرات الاعتقال. فقط في بعض الأحيان يلاحظ قسوة من هذا النوع أو ذاك، سواء كان مصدرها من الحراس أو من زملائه السجناء. لا توجد هنالك أية محاولة للعب الدور، ولا توجد هنالك أيه محاولة لصناعة الفرجة، لكن غاية المؤلفة المسرحية هو الحفاظ على سلامة ذاكرة سترادينخ التي سجلها في ملاحظاته، بمعنى أنه من خلال القراءة الموضوعية لطريقة التدريب المسرحي، فإن المؤدي/الممثل يعمل على تحويل الأداء إلى أرشيف مُصطنع، أي تحديدا ذلك النوع من الأرشيف الذي يمكن أن يقرأ في خلوة أو عزلة. باستثناء هذا فإنه أرشيف يتم انشاؤه قصد مشاركته مع الجمهور. هل باستطاعتي أن أسمع صوت أحدهم سائلا: “ولكن،هل هذا مسرح؟”

تتميزالفكرة القائلة بأن للمسرح قدرةَ إنشاء الذاكرة التاريخية، وليس فقط قدرة إعادة إنشائها أو تمثيلها، بملامحَ مختلفة في الدراما المالية Maly Drama في بطرسبرج Petersburg من إخراج ليف دودين Lev Dodin. الدراما المالية عبارة عن فرقة جماعية تعمل على تطوير انتاجاتها بشكل تعاوني من خلال منهج دودين الذي أطلق عليه إسم “التأليف المشترك co­authership”، وهي فكرة برزت إلى الوجود بفضل ستانيسلافسكي Stanislavsky، وهو ما يعني أن الممثل والمخرج باستطاعتهما أن يعملان على انتاج يتوخيانه معا بدل اتباع ما يمليه عليهما برنامج المدير المحدد سلفا أو تصوره المهيمن. إن تفصيلهما للشخوص والترابط بين الأدوار له أهمية أساسية عندما يتعلق الأمر بصياغة نصوص مسرحية من الروائيات الأدبية، والتي قامت بها الأجيال المتعاقبة من الممثلين الذين التحقوا بالفرقة. وهنا نذكر أن المثال ماقبل الأخير لمسرح الدراما المالي MDT، ونقصد به مسرح النثر، يتمثل في رواية الحياة والقدر Life and Fate التي استغرقت الفرقة ثلاث سنوات بأكملها وتعمل على قدم وساق لتاليفها وتمثيلها، حيث قامت بصياغة الحوار، والأوصاف، والمقاطع السردية، والشروحات الفلسفية، واصدار التعليمات لشخوص القصة، والتعليقات الركحية الجانبية، وكل الأشياء الضرورية الأخرى، إلى أن توصل دودين في النهاية  بمساعدة العديد من الممثلين إلى صياغية عرض مسرحي يستغرق أداؤه أربع ساعات، بعد أن أخذ منه هذا المجهود المئات من الساعات التي قضاها وهو يحاول ويدقق أثناء التداريب.[5]

لا تختلف هذه العملية عن أسلوب الرقص الذي يشترك في تصميمه كل من مدير الرقص والراقصين واخضاع أجسادهم له. وفي حالة المسرح المالي، فأن العملية قد تضمنت بشكل متساو جميع الممثلين الذين جاؤوا من أجل تعلم فن التمثيل– خصوصا أولئك الذين دخلوا مرحلة العشرينيات- الذين لم يكونوا على دراية تامة بتاريخ هذا الفن، الذي تعرض جزئيا للقمع أوالتهميش، والذي لم يكن متاحا لهم بسهولة، سواء في شكل أرشيف رسمي أو من خلال إعادة سرد الذاكرة. وعلى نفس المنوال، نَلْحَظُ أن أحد المهام العديدة للجهات الفاعلة كان يتعلق باستيعاب هذا التاريخ بتلك النزاهة الفنية والانسانية وبتلك الملكية المطلقة لكافة المهارات والميولات التمثيلية التي تطورت باستمرار من تداريبهم المسرحية، وهو ما ساهم كذلك في نقل هذا التاريخ بشكل تقمصي إلى ذاكرة المتفرجين. يمكن افتراض أن الاجيال الشابة من المتفرجين، ونقصد بهم نظراء الممثلين الأصغر سنا، ليسوا أكثر حكمة مما كان عليه الممثلون قبل تصاميمهم المرفقة بالأبحاث التي أجروها مع دودين. ولا يمكن للأجيال الأكبر سنا، أي تلك التي شهدت الحرب العالمية الثانية وما تلاها، أن تكون هي الأخرى على دراية بالمواضيع الروائية، لأنها لم تكن مدرجة في تاريخ المقررات الدراسية السوفياتية. قد تكون هاته المواضيع التي بسطت التاريخ الرسمي من نواحي عديدة بمثابة اكتشاف للمتفرجين الذين تربوا على المبادئ السوفياتية. وهنا نعتقد بقليل من الشك أن أحد أهداف دودين بشأن عرضه المسرحي للحياة والقدر كان يتعلق بكشفه للملأ جزءا من التاريخ المثير للجدل، وأيضا “التاريخ السري” بطريقة حية.

فاسيلي جروسمان Vasily Grossman هو مؤلف رواية الحياة والقدر، وكان مراسل حرب ذا سمعة كبيرة في ستالينجراد Stlingrad. وخلال الهجوم الذي شنه الجيش الأحمر على ألمانيا النازية قام بشكل أساسي بتغطية سنوات الحرب التي امتدت ما بين 1941 و 1945. أكمل روايته عام 1960، ولكن تم حظرها على الفور بحجة أنها زعمت أن الشيوعية السوفياتية والنازية كانتا وجهان لنفس الطغيان الوحشي، الذي لم تكن له غاية سوى الاستعباد والدمار. ظهرت الرواية في صحافة المهاجرين الروس باللغة الروسية عام 1980 (وهو العام الذي عثر عليها فيه دودين في فنلندا)، وظهرت في نسختها الإنجليزية عام 1985، أما في روسيا فقد ظهرت إبان فترة البيريسترويكا عام 1988. من الأمور المركزية في عرض دودين نجد جزءا طويلا تدور أحداثه في معسكر إعتقال ألماني. يدور الحوار بين ضابط من الجستابو Gestapo officer وبين بلشفي عجوز معتقل فحواه أن السوفياتيين قد تجاوزوا النازيين في الفظاعة ووالوحشية، وهو ما يحتم عليهم تعلم الكثير من النازيين. كما يضع دودين صورة السجناء اليهود الذين لقوا حتفهم في غرف الغاز، جنبا إلى صورة السجناء الروس في معسكرات العمل الالمانية، وأخرى لسجناء روسيين آخرين في معسكرات الإعتقال الروسية. تعزز وسيلة دودين المونتاجية montage أطروحة غروسمان Grossman المتعلقة بشأن طبيعة النظامين التي تمتاز بشكل يتعذر تميزه.

هذا النوع من المقارنة يقترح أيضا تزامن الأحداث والمحادثات، وفوق كل شيء، تزامن الزمن في حد ذاته. إن أشياءَ كمشاهد في المخيمات، ولمحات قصيرة عن المعارك، والتي لا تظهر إلا ضمنيا من خلال قبعة أو بذلة عسكرية، ومشاهد تتعلق بفيكتور ستورم Viktor Strum، ذلك العالم الفيزيائي النووي الذي ألقي القبض عليه بسبب خيانة زملائه له تحت الضغط الساسي والتي تشكل الجوهر الأخلاقي للعرض المسرحي… كل هذه الأشياء قد تم وضعها داخل إطار متراكب.  وهي أيضا مشاهد تقابلها أخرى محلية بين ستورم وعائلته، ولحظات عاطفية مؤثرة، ورسالة من والدة ستروم القاطنة بحي اليهود ghetto، قبل أن يتم ترحيلها إلى معسكرات الموت، ومن بين مشاهد أخرى هناك لعبة الكرة الطائرة، التي تلعب من وراء الشبكة، والتي تذكر بالفترة التي عاشها الشباب قبل الحرب، وإن كانت في ذات الوقت تعد بمثابة السلك الشبكي للمخيات وأبواب الحجيم. يظل تصميم الركح على حاله طوال مدة العرض، مسهلا بذلك ترابطه الزمني والكرولوجي، وابداعه المسرحي والكنائي، وتمثيله الدقيق والتطهير العاطفي الرائع.

هذا التثقيف للأثر العاطفي هو ما يميز مسرح الدراما المالي عن العروض ذات القصد النزيه للدراما الجديدة وعروض الأجيال الشابة المعاصرة بشكل عام.  وكذلك يفعل التعقيد الفني والتطهير العَرَضِيُّ لمسرح الدراما المالي. وعلى النقيض من ذلك، فإن جماليات الدراما الجديدة تكون مباشرة وانسيابية streamliِned عندما لا يتم تقليصها بالكامل إلى الحد الأدنى. وهذان الإختلافان الرئيسيان هما اختلافان جوهريان، وهو ما يدل على أن الطرائق المختلفة لتنشيط واختلاق الذاكرة لا توجد فحسب، بل يدل أيضا على أن المجموعات المختلفة جدا على مستوى العمر والتجربة الزمنية المتباعدة، التي تنسج تواريخ مختلفة، تبتدع أوتخلق طرائقها الفريدة الخاصة بأسلوبها في التذكر.

يعتبر دويدين من المخرجين المسرحيين البارزين الذين يبلغون من العمر سبعين عاما، والذين يعتبرونهم الممارسون الأصفر سنا، التواقين إلى ابتكار الجديد، بمثابة مخرجين من الطراز القديم، ويسعون بذلك إلى إزاحتهم.  يعمل هذا النوع من التفكير الطلائعي avant-garde، الذي طالما اشتهر بالحيوية وشراسته في التنافس، على ادماج فناني الدراما الجديدة، الذين ليسوا أقل من فولكسترلوف Volkostrlov البالغ من العمر ثمانية وعشرين عاما، الذي أنهى دورة دودين التكوينية، التي دامت خمس سنوات بأكملها، والتي وجد فيها استقلاليته في الابداع. للمسرح الطلائعي أعداد متنوعة من الأنصار تشمل ممثلين ومصممين وملحنين ومخرجين مسرحيين في الأربعينيات من العمر- تم توصيفهم بمعايير روسية على أنهم جميعا مخرجون مسرحيون شباب – ومن هذا المنظور، فهم أحفاد وشباب أحداث البيريسترويكا وعام 1991. لم يكن هؤلاء يقتاتون فقط على شكوك ووعود هاته الأحداث، ولكنهم كانوا كذلك ورثة الإنقلاب الراديكالي المفجع/الصادم الذي أزال نظاما سياسيا وأحل آخر محله. لا يمكن التأكيد على كلمة “مفجع/صادم” لأنه لا غنى للفاجعة أو الصدمة في مثل هذه الهيكلية  السياسية والنفسية الهائلة ، وبالتالي فإن الحياة اليومية لا تؤثر فقط على المدى البعيد، بل تدوم تأثيراتها فترة طويلة، تصحبها في كثير من الأحيان عواقب خطيرة جدا، كثير منها غير مرئي للعين المجردة.

في غضون ما يقارب الخمسة عشر عاما التي تلت الأحداث التي جرت عام 1991، فقد أصبح واضحا إلى حد ما لهؤلاء أن نظام الإستبدال المعروف بالمتوحش أو ب”الرأسمالية المتوحشة” وما صاحبها من سياسة الحرية الإقتصادية الغابوية laissez-faire jungle politics  المتناولة، وهي سياسة تميزت بعدم الاستقرار، كما أنها كانت تحمل في طياتها عقوبات غير متوقعة فيما يخص ذاك الذي قد تجلبه الهياكل السياسية الأخرى. إن التقلبات التي تصاحب او تقعب حالات الانقلابات السياسية الراديكالية،  التي لا ترتبط بمعتقدات الديكتلتوريات، يمكنها عموما أن تفعل أي شيئ باستثناء ضمان الرغبة في الحرية السياسية والاجتماعية والانصاف. إن أثر الربيع العربي – كما هو الحال مع الظروف الخاصة بكل بلد- حيث حدثت الوقائع والأحداث باسمه- ليشهد في هذه السياقات على الطابع الإشكالي الشديد للأسئلة التالية: “إلى أين الآن؟” أو “إلى أين بعد ذلك؟” تعتمد كيفية طرح هذه الأسئلة إلى حد كبير على من يعمل على طرحها في سياق  استحضار ذاكرة الأحداث السابقة.

قد يكون لدى أولئك الذين يسمون بممارسي “مابعد الفترة السوفياتية”، الذين تطرقنا لهم بالنقاش أعلاه، نوعا من الذاكرة الجماعية الإجمالية التي يعزوها هالبواكس إلى المجموعات ذات القيم المشتركة. ومع ذلك، فإن القيم المشتركة التي تجمعهم ربما تكون أكثر دقة من الناحية السلبية. بعبارة أخرى، يتم تركيب ذاكرتهم من خلال الإحباط وخيبة الأمل، والافتقار الى الايمان وانعدام المُثل، وقبل كل شيئ، من خلال السخرية. سخريتهم من الشيوعية والرأسمالية يجعلهم من بحق أمناء الأرشيفات اللاذعة والحادة والعَلْقَمِيَّةِ. تبدو انسانية أحد الدودينات the humanism of a Dodin  إلى حد كبير على أنها من حقبة أخرى؛ و في حالات مماثلة في اماكن أخرى في عالم خيبة الأمل والسخرية، فإن صوتهم الواضح يثير مسألة كيف تتعامل الأجيال الشابة مع ذاكرة الأرشفة التي يرون على أنها أقل من مرضية.

ليس لملاحظاتي الختمامية أية نية “لربط” الموضوع وفقا لبعض المعادلات الأكاديمية، ولكن لديها النية لفتح الموضوع أكثر قليلا وتركه موقوفا على علامة “تستمر”، التي سوف تمنحني أسئلتكم  بشأنها فرصة لتطويرها. إن عرض قسطنطين بوغومولوف Konstantin Bogomlov لمسرحية كوميديا الملك لير Lear, A Comedy عام 2012 يخدم هذا الغرض، لأنه من غير المعتاد بين المخرجين الشباب -كبوغومولوف البالغ من العمر أربعين عاما- أن يعودوا إلى سنوات ستالين كي يعملوا على إدانة هنا والآن في عروضهم المسرحية. تعمل التلميحات  المتكررة إلى محاكمات ستالين الإستعراضية وذلك من خلال الأزياء العسكرية السوفياتية، والمنابر والمكروفونات، على تشكيل الإنتاج المسرحي في شموليته.  وحتى عندما تحل البذلات التجارية محل الادوات الستالينية الواضحة – وهذا واضح في لباس الملك لير للبذلة العسكرية، وواضح أيضا في لباس كل من جونير Goneril وريجان Regan لذات البذلة أحيانا. تستمر الإستعارات التي تعود إلى الحقبة السوفياتية من خلال هذه التفاصيل المتعلقة بالتقاليد والعادات الثقافية كما يظهر لنا في طريقة شرب كؤوس النخب، وفي طريقة إلقاء الخطب، ونوع الخطب التي يلقونها في المناسبات الإحتفالية، وليس بالضرورة في المناسبات الرسمية.

جميع هاته الجوانب تأتي في سياقاتها سواء على طاولات العشاء أو وقت اجتماعات مجلس الإدارة (وهي تلميحات لا لبس فيها للرأسمالية المعاصرة) التي تشير بوضوح إلى تواطؤ السلطة والمال، وأيضا إلى التَّذَاؤُبِ/المناورة في كل من السياسية والمال والفساد. ويعد تبادل الأدوار بين الجنسين (وكمثال نذكر تقمص ممثلة شهيرة من مسرح الفن في موسكو Moscow Art Theatre لدور الملك لير، بينما يتقمص رجلان أدوار كل من غونرل وريغان) من صميم الكرنفال الشرير، الذي ينفجر بسبب تأثيرات مثل جراد البحر الضخم الذي يخرج من جيوب الملك لير بدلا من البنادق. وفي مأدبة شبيهة بالتهريج، يظهر الملك لير وهو يرتدي تاجا من الورق من النوع الذي يتم ارتداؤه في الحفلات، وهذا التاج لا يمثل مَلِكاً، لكنه كنائيا يرمز إلى جميع قادة روسيا. يبدو أن الأوليغارشيين والبلطجية والسياسيين (إن لم يكن الملك لير عند شيكسبير سياسيا في الواقع، فما هو إذن؟) وكأنهم يعيدون انتاج نفس الصورة بشكل لا نهاية له، مثل الانعكاسات المتعددة في المرايا الخادعة.  

قد يعيد ترتيب بوجومولوف لنص شيكسبير، بالاضافة الى مقتطفات من نيتشه وأخرى من أشعار بول سيلان Paul Celan، الذاكرة لنص دوين الحياة والقدر، ولو بشكل سطحي. ومع ذلك فإن هذا الانتاج المسرحي يفتقر للنزعة الانساية التي يمتاز بها نص دودين، أما لغته البذيئة فتشكل أكثر الأشياء صدمة على الإطلاق في سياق المسرح الروسي، وذلك عندما تنطقها النساء في المقاطعات وهن يغازلن الرجال، وهذا جزء لا يتجزأ من رؤية تناهض كل ما هو انساني بشكل مقصود. أما أسلوبه في الأداء فيتميز هو الآخر بالإفراط في البشاعة والتنافر والفحش في مخاطبته للجماهير، ويفرك أنوفهم في فوضى الحاضر، التي لا تقتصر جذورها -كما يوحي العرض- في الماضي فحسب، بل أيضا في تكرار الماضي في الحاضر. يبدو الأمر كما لو أن ذكرى الماضي قد اتخذت هذا القيد القوي، وهي بهذا لا يسعها إلا أن تمارس تأثيرها على ممارسات الحاضر.

لطالما قام بوغومولوف بالإخراج في مسرح موسكو للفنون، تلك البناية المؤسساتية الضخمة، وأيضا في منزل ستانيسلافسكي، وقد تكون هذه الحقبة بالذات تقول الكثير عن كيف كان المسرح الروسي، بغض النظر عن الصعوبات التي لا تنتهي في البلاد، مفتوحا للذاكرة، و كيف كان على الأقل حتى الآن قادرا على احياء الذاكرة. هناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تساعد في تفسير هذا المنفذ إلى الذاكرة، لكن الحاجة إلى ذكر سببين على وجه التحديد أمر مهم في مناسبة هذا المؤتمر: الحرية من عام 1991 (أي مع أحداث البيريسترويكا وما تلاها) إلى ما يقرب منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مهما كانت نسبتها لبعض المجموعات الاجتماعية، وليس للبعض الآخرين؛ التمويل المتاح، في المقام الاول من الحكومة، إلى المسارح المؤسساتية ، وعلى الأقل افتتاح المسارح المزدهرة قصد البحث عن موارد مالية مستقلة، وهو أمر كان مجرد حلم إبان فترة البيريسترويكا. إن الرغبة على التذكر في جميع المجتمعات، على الرغم من وجود أسباب متنوعة خاصة بهم، لا تتوقف فقط على القرارات الفنية للفنانين وتوافق جمهورهم، بل تتوقف أيضا -وبشكل حاسم- على سياسات القوى ذات السلطة، التي لا تريد التخلي أو التنازل عنها.

 

[1] French edition, preface by Pierre Bourdieu, Paris: Le Seuil, 1999, p. 73; The Suffering of Immigrants, trans. David Macy, Cambridge: Polity Press, 2004.

[2] La Mémoire collective, ed. Gérard Namer, Paris: Albin Michel, 1997, pp. 65-6.

[3] Oral history as a particular kind of history deserving serious academic attention grew out of the Annales School and its emphasis on daily life – the micro-history that provided a corrective to the ‘big’ history of exceptional individuals, shattering events (like wars) and heroic acts. Thus the studies of Fernand Braudel, and most notably his La Méditerrané et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, Paris: Armand Colin, 1966 and Civilisation materielle, économie et capitalisme, Paris: Armand Colin, 1979 of which the most relevant here is La structure du quotidienne, 1967. See also for this context of thought Pierre Nora Les lieux de mémoire, Paris: Gallimard, 1984-1992.

[4] John Freedman quoting Ugarov in The Moscow Times, 19 October, 2014. I am indebted to John Freedman and Elena Gremina for clarifying Pryazhko’s exact wording of The Soldier, as cited above.

[5] ‘Theatre of prose’ is Dodin’s terminology. A detailed study of its methods and the productions developed in this category (with the exclusion of Life and Fate ) is to be found in Chapter 3 of my Dodin and the Maly Drama Theatre: Process to Performance, Routledge: London, 2004.

شاهد أيضاً

المفكرة الألمانية إيريكا فيشر تتحدث عن فرجات الشارع بوصفها فضاء زمانيا عصيا المحاضرة الافتتاحية الأولي للدورة السادسة عشر من طنجة المشهدية

قدمت المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليتشه المحاضرة الافتتاحية الأولى لفعاليات الندوة الدولية طنجة المشهدية في …

محمد العناز : با حسن هو الروح التي يمكنها أن تأسرك بصمتها الخجول كلمة المركز الدولي لدراسات الفرجة في حق فقيد النقد المسرحي الدكتور حسن المنيعي

ضمن فقرات الجلسة الافتتاحية لمهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية في دورتها السادسة عشر (دورة فرجات …

انطلاق فعاليات الندوة الدولية “فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية

انطلقت مساء أمس فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية بالجامعة الأمريكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *